القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 64 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

نصوص أدبية: يوم قطار غير عادي

 
الثلاثاء 06 تموز 2021


 خالد إبراهيم

ھل جربتَ الاستیقاظ في الرابعة صباحاً، لتكون مثل القنفذ المنتوف على طريق ترابي في مساء ميتٍ؟
في حین أنكَ لا تقوى على الكلام أو النھوض أو السیر نحو المطبخ، لتنظر إلى الرف الفارغ من القھوة أو الشاي أو  السجائر التي غادرنك أمس.
 ما ھو شعوركَ عندما تفحص بطاقتكَ البنكیة في الیوم عشرات المرات، وتتفاجأ بفراغٍ وأرقام الصفر اللا متناھي؟ 
في صباح الیوم  تجرأت عن سابق إصرار الصعود إلى الباص ثم إلى القطار الذي ینتھي مشواره في محطة دورتموند الرئیسیة، بينما محفظتي تعوي بالفراغ العدم،، ھكذا وللمرة الأولى قررت خوض ھذه التجربة( مخالفة القوانين بما يخص تذكرة القطار)، شحذت القوة المبتلة بالخوف المتناحر ضد ذاتھا المتصدعة، وأنا أرى ھذا الكم الھائل من البشر، المحطة الرئیسیة لقطارات دورتموند:


صعقني خیال جامح وأنا أرى ھؤلاء الناس مثل اسراب من النمل والجراد، وتساءلت: ھل جمیع سكان ھذه المدینة خارجون عن  بیوتھم الأن؟

كان كوب القھوة ھو الحد الفاصل بیني وبین الحلم والحقیقة، في جیبي ثلاثة یورھات ، فضلتُ المغامرة، على بقائي دون قھوة في ھذا الصباح الساحر، ولكن دون سجائر، دون دخان یعصف بأوتار قلبي التعب، دون حرائق تلسع جلدي المتفسخ عن عظامه.
عجیبة ھذه المدینة، تارة تعج بصخب الحیاة، وأخرى تراھا میتة وصامتة وقلقة منذ أخر یومٍ من الحرب العالمیة الثانیة!

حقیقة الأمر أنني كنتُ أفكر حین وصولي، لابد من السیر لمسافة تزید عن قدرتي على التحمل_لوضعي الصحي_ على الأقدام، والحیرة تبعثرني ھنا وھناك، ترى ماذا سیحصل؟

على الرصیف (31 )أنتظرُ القطار الأحمر، المدبوغ بدماء الأولیین، بدا یتقدم نحوي، ویتقدم، ویتقدم، كأنه یحمل مئات الجثث على ظھره الحدیدي، جثث تتحرك، تھمس، تلوح بأطرافٍ مقطعة، وكأن وقود ھذا القطار ھو ما تبقّى من دماء تلكَ الجثث!

توقف الوحش، فُتح الباب، دخلتُ في أمعاء المجزرة، وبدأ النواح یعلو، ثم یعلو، ثم یعلو، تكاثرت الأصوات، بدأ الجمیع یھتف بالصمت، بالصراخ، والخراب، وأنا تسللتُ ما بین الشظیة والشظیة، وقلبي ما زال یئنُ وینادي یا تلكَ القصیدة:
مرحباً..أھلا وسھلا
: ھل أنت عربي؟
یقولون أنني صدامي، من أنصار صدام حسین، ویشككون في كردیتي( قلتها متذمراً وبسخريةً)
أنت كردي إذا، وبدأ یبتسم ویضحك!
بادلته ابتسامة مسلوخة بلا روح ومشاعر 
ھل لدیكَ تذكرة قال؟
لم اعطه أي أھمیة، وأوھمته أنني لم أسمعه وانشغلتُ بالتحدیق في ساعتي المعطلة أصلاً.
كرر ثانية، أسألكَ،:" ھل لدیكَ تذكرة"؟
أجبته: لا أملكُ المال یا عزیزي، وعن أي تذكرة تتكلم!!
ماذا؟.. قالها الرجل مندهشاً
نعم قلت وأكملتُ: ولا أملكُ حتى نفسي
بدأ یحلق بي، وبادلته الترف الباذخ في الحزن والرحیل المرتجف، وكأننا نتبادل الجراح تلوى الجراح.

أخرجَ كیس تبغه، وبدأ یدحرج سجائره، كان ماھراً بلف أعواد السجائر، كانت لدیه دقة وعنایة، لم أرى مثله
على الإطلاق، وكأنه یعزف على الربابة، أو یعزف على الناي.
كنت أنظرُ ألیه، وأختلسُ النظر إلى مراقب القطار، كان خوفي یزداد كلما أزدادت  سرعة القطار. مُفتشو 
التذاكر والقطارات، لا یقلون خطورة عن المخابرات الدولیة، یستطیعون كشف كل من لم یقطع تذكرة، 
لدیھم حساسیة مفرطة بھذا الشأن، ولهذا أعيش الخوف العارم منهم لعدم قطعي التذكرة.

توقف القطار، وصلتُ وجهتي أخيراً، خرجت من المحطة، وبدأت السیر، إلا أن المطر عرقل مسیرتي، ابتلت ثیابي، وحقیبتي، وانتھكت تسریحة شعري، وحذائي بدأ یخفق بالماء، ابتلت جواربي التي مر علیھا أسبوع بقدمي، لاشيء ینجو یا ابن أدم، كُن على یقین أن كل 
نفس تطفو على وج ھذا الكون لھا ابتلاء ونھایة.


تحدیتُ المطر وفصول السنة، تحدیتُ السیول والسكاكين والغدر وخذلان الاهل والأصدقاء، وخرجتُ من جمیع المعارك، عاریاً بلا عنوان وتاریخ!

أنھیتُ مقابلتي، وفي تمام الساعة الثالثة والنصف بعد الظھر، عدتُ إلى نفس المحطة، سیراً على الأقدام، 
وما زال السؤال نفسه ینخر جمجمتي:
كیف سأعود، وإلى أين؟

إنه لتاریخٌ عظیم، 2021/7/5 أتت ابنتي لنجدتي، بینما كنتُ فوق إحدى خطوط السكك الحدیدية، حائراً ما بین رائحة القھوة، والشاي، وكیس التبغ الفارغ، ابنتي التي تبلغ ثلاثة أشھر، ینط قلبھا عندما تراني، لا أدري وإنما ھكذا أشعر، بل أنني متأكدٌ أنھا لن تنساني یوماً حتى لو تبعثرت أجزائي على كامل خطوط السكك الحدیدیة الألمانیة، ھذا لأنني تركت على وجھھا بصمة لن یمحیھا التاریخ ولو بعد مئات الأعوام، ذلكَ الوشم الذي یتراقص بین عینیھا، ألا وھو اسمي !

تُشبھني، أشبھھا، وكأننا جئنا من عالمٍ أخر، وكوكبٍ أخر، ومِلّة أخرى، أحسستُ بھا وھي تصرخ بین أمعائھا، لا تذھب، لا تخرج، لا تفعلھا، وها أنا أضيع بين نفسي والأمكنة، أبحث عن مخرجٍ في نهاية هذا النفق.

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 3.85
تصويتات: 7


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات