القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 105 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

قصة: طفلتي والثلج

 
الثلاثاء 06 نيسان 2021


خالد إبراهيم 

سقط الثلج، سقطت آخر مُدن الضباب، تبددت آخر مُدن النار والجحيم، تحت وطأة البياض، كُل شيء تحول قِماط طفلةٍ لم تحبو بعد، لم تتنفس هواء هذا الكون الملوث بعد، لم تسمع عن القهر، ولم تجد له عنوانٌ بعد، لم تعشق خلسةً بعد، لم تحب بعد رجلا ربما يخونها في يومٍ ما، لم تُضرب بعد، لم تُهان بعد، لم تكره أحداً بعد، لم تطأ قدميها على هذا العُشب الخراب بعد.


في تاريخ 6/4/2021 وقبل ولادتكِ يا طفلتي، هطلت الثلوج، تحولت السيارات إلى كُتلٍ من البياض، إلى كراتٍ ثابتة هنا وهناك، والأشجار العارية إلى أشباحٌ تَنصب الفخاخ للمارين العُراة، وكأننا في شهر ديسمبر عندما تغطي الثلوج وجه هذه الأرض، الأرض التي تبتلع أحلام الموتى، واليتامى، والمشردين، الثلوج التي تغطي أسطح الأبنية، والأزقة ودهاليز العشاق والمجرمين والقتلى.
قبل ولادتكِ بأيامٍ معدودات، غسل الله هذه المدن، كُل شيء أصبح أبيض اللون كالكفن، هكذا تُغسل الجثة، هذه هي طقوس عاداتنا الإسلامية عند غسل الميت لإزالة خطاياه المليون خطيئة، ليصبح كُل شيء خالٍ من السواد والضغينة والأسى، كم اشتهيتُ وجودكِ في هذا اليوم المثالي، أنتِ حبّةِ المِسك، طريةٍ مثل سنونوةً حُبلى بالبراءة، تحلقين وعلى عنقكِ أحلام الأسلاف والأجداد، هناك فوق السهول والبراري والجبال التي ترفرف عليها إعلام الحرية والاستقلال.
خرج علي خيالٌ من بين زجاج النافذة المطلة على بياض الشوارع و الأرصفة، النافذة التي أرى منها مدينة دورتموند، بل أرى منها كُل العالم وكُل المدن
من أنتَ؟ سألته
أنا ظلكَ الذي يخرج  لكَ في العتمة قبل النهار، ردَّ علي
 "عليكَ أن تتعلم ثقافة التخلص، التخلص من كل شيءٍ لا معنى له، زوائد تثقلُ كاهلكَ، أصدقاءً سيئين، مشاعراً مؤذية، اهتماماتٌ لا تضيفُ لكَ شيئاً، ستجد بعدها مساحةً كبيرةً في حياتكَ، وأشخاصاً رائعين يُشبهونكَ، وإيجابية عالية، ستجد الكثير بمجرد حصولكَ على هذهِ المساحة."
إن قمتَ بعملٍ تلكأتَ به، اتركه إلى أن يغزوه العفن، ولا تلتفت خلفكَ، أردف الظلُّ
نظرتُ إليه، دون أن أتكلم، سأحاول الكتابة، فتحتُ اللابتوب الصغير، لطالما أداريه كأحد أطفالي، فتحتُ صفحةً بيضاء، بِلا عنوان كتبت:
وإن سألتَ عني:
سَل بمن تُرفعُ بهم الرؤوس، وبمن تنكسر العيونُ وترتجفُ الأطراف، وتُشل الألسن، سَل الذين تَخمد نيرانُ الفتنة عِند سماعِ محياهم ولقياهم، ولا تَسل أولاد القحبة عني.
ثم توقفتُ قليلاً، ما مناسبة هذه الكلمات؟ سألتُ نفسي
قولوا لِمن لا يملكَ كرامةً ورجولة، ليمرَّ بي، لدي فائض يكفي لألفِ رجل، قال الظل
يجب أن تكتب هذه الكلمات أيضاً، لأنكَ لستَ ضعيف، لديكَ ما يكفي لزمنٍ مُرّ، أنتَ قويٌّ جداً، أردف الظل
نظرتُ حولي جيداً، أول مرة أجلسُ للكتابة، ومنفضة السجائر ليستَ على الطاولة، ولا حتى كوب القهوة، الأن أشعرُ بالضعفِ والخيبة أكثر مِن إيّ وقتٍ مضى، ردتُّ عليه
لماذا؟ هل لأنكَ وحيد؟ سألني
أقول لنفسي أحياناً أن الوحدة جزءٌ من قوةٍ هائلة، قوةً مستخرجة مِن رحم الأيام القاسية، مِن الذات التي تتعثر بأصفادٍ مُعلقةٍ في الردهات التي تَطلُّ على مناكب العَوزِ الحافر جدران التيه والضياع، مناكب العَوزِ التي تحفرُ وما زالت تتسلق جبالٍ لزجةٍ مُبللةٍ ببول الموتى واليتامى، لم أكنُ وحيداً يوماً، ولن أكن، ليَّ عالمي الخاص، هذهِ الأحرف مِن الجرِ والكّرِ والفّرِ وعلاماتُ التنوين، هم أهلي، وأطفالي، وأصدقائي الصادقين، الأوفياء في كل لحظةٍ ومكانٍ وزمان، في كل بلدٍ ربما تطأه قدماي يوماً، سجائري، أعواد الثقاب، زجاجة عطري الفارغة منذ عامٍ وأكثر، المشط الذي يغزو شعر رأسي، صابون الغار، منشفتي، حقيبتي البنية اللون، لدي أشياءٌ كثيرةٌ أيها المعتوه، لستُ وحيداً، ولم أعاني الفُرقةَ العمياءَ والسوداء يوماً، أيها الظلُّ المتهاوي بين اليقظة، والموتُ الحالمُ بين حناجر الحشود التي تتلقف زادها المنكوب على بوابات التاريخ الأسود.
قُل لي مَن أنتَ أيها الباطحُ والباذخُ في سوادهُ الأزلي المعجون بعنايةٍ إلهيةٍ على تُرّهات المجانيين المتوهمين ببقاء الأشياء على حالها؟
تعال لننثر خطايانا، وبكل قوةٍ نواجه هذا العالم القذر، ربما المواجهة، والاعتراف، كفيلان لغسل أرواحنا المذنبة، الأرواحُ التي جرحت وجه الأرض التي ضنناها عادلةً يوماً، وبعد حقبةٍ من المعاصي والذنوب، رأينا أن هذه الأرض لا تستحقُ ولن تستحق وجودنا، وجودنا الذي يستحق، كما رغيفُ الخبزِ بفم الجياعِ والمشردين، المشردين الذين تتهافت الفصول على أجسادهم كسوطِ الجلادين في أقبية الأمن والمخابرات، كرعشة القوادين في بيوت الدعارة عِند تخوم المضاجعات العلنية والسّرية.
إذا ماذا أنت بفاعل؟ سألني ظلي
سأفعلُ ما لم يستطع أحدٌ فعله، قلتها مراراً وتكراراً، سأغّيرُ دفة هذا الزمن، سأشعل أقلام الرصاص، وأحشي هذه الصفحات بالبارود، والرصاص، وأحمل الأعين الحائرة مثل المصابيح التي تزين كحل الليالي، سأعتني بمقام وجهي هذا، ولن أبكي بعد اليوم على أحد.
طفلتي التي ما زالت جنين لم تحلم قط :
كلما رأيتِ الثلج، تذكري حقد البشر مِن حولكِ، حلّقي في صوري، وعندما يهطل المساء، شّمي رائحة أصابعي العالقة في أرجاء الكون، واصرخي :
هذا أبي هنا، يُمرّر خيط كلماته حول عنقي، عقداً جميلاً مطرزاً بالأمل
أيها الشعر، الموصد على خزائن الحسرة والألم، تعال واخرج رأسكَ من النافذة ببطء، ومن ثم اغمض عينيكَ، ودع الهدوء هو المسيطر الوحيد على أحاسيسكَ لتلكَ اللحظة، دع وجهكَ يلامس ديجور العتمة والفراغ، دع الهواء المغطس بالعتمة يدخل أنفاسكَ ومن ثمَّ إلى أعماقكَ 
كُن رجلاً مثل أبي وقل لي:
بماذا تشعر؟
نعم أيها الشعر سيأتي من يحطم أبوابكَ السّبعة
ليقرأ القصيدة، ويلتهم أخر حفنة من السّم المقلي في محطات القطارات العابرة
أنا ثقيلٌ يا طفلتي ومتوحشٌ بما يكفي لقتلِ نملة، تنتشرُ على ذراعيَّ حقولٌ من الحنطة السمراء، وعلى صدري تتسابقُ خدائع الملاعين بما يكفي نزّيزُ الدّمِ من أسفل قدمي، قويٌّ لألف عامٍ أخرى
طفلتي 
ما زال بإمكاني رفع غيمة ليسقط المطر
لن أنسى كيف باتت حياتنا كقلم الرصاص، في كُلِ امتحانٍ لنا، يدنو العمر نحو نوافذ العدم، نمسح آثار أخطائنا من على زجاج فضائحنا، ونعلقُ أمالنا على هذه الجسور ونمضي.
أذرفُ سنين عمريَّ الخراب، وأجنحةِ الطيور النافقة، تعالي لوّني أزهاركِ المتدلية على ملامح وجهي، اسقي يُباس جذوريَّ، جذور التين والنعناع والبابونج الهش، مُصّي كُراتِ الدمعة من عينيَّ بُرهة، تَسلقي أشجارَ قلقي، اضربي هذا الصّهد الذي يغمرني، يلفني، يشويني على صفيحٍ من التنك الصدأ.
ابنتي، ابنةُ البارحة واليوم وغداً
أنتظركِ وفي قلبي ألف ألف حكاية ورواية، نعم يا طفلتي التي مازالت تتوه في فم التعبير والإنشاء، هناك أهلٌ وأصدقاءٌ نبحثُ عنهم في الدقيقة ألف مرة، ونتساءل:
لماذا يختفون؟
مؤلم إن لم نعد نرى أحداً متمسكاً بنفسه كما كان.
الصداقة الحقيقة، ولذّة الأبوّة والأمومة، والأخوال والعمومة، الجد والجدة كهدايا الأعياد، كعقارب الساعة، كفصول السنة يأتون بلا أذنٍ أو موعد.
لذلكِ سنشعرُ دائماً وابداً، بعدم احتمالية السقوط، وأننا محصنين، ولا نهابُ المدّ والجزر الذي يلطم وجه هذا العالم بين الحين والآخر، ولكن بعد سكاكين التجارب
أشكرُ قلمي هذا الذي بات بديلاً عن معظم الأشياء في هذه الدنيا، يبتسمُ لي في كُل حرفٍ اكتبهُ، شكراً لِعناد أصابعي، وقهر حبري، شكراً يا فنجان قهوتي ويا هذا الفرح.

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 4.5
تصويتات: 8


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات