القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 103 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

نقد ادبي: أدونيس في محكمة ربات الشعر، حول معمارية بعض قصائدة الشعرية .. دراسة نقدية

 
الأثنين 02 تموز 2012


خالص مسور

أدونيس هذه القامة الشعرية الباسقة بالفعل في نظر النقاد والذين تستهويهم فحولته الشعرية في فضاءات متخيله الشعري الرهيف، مرفرفاً بسطوره الشعرية في سماء القصيدة الحداثية بغموضها وتعقيداتها الدلالية، وموهبة في تركيب الصور الشعرية الإيحائية الماتعة بامتياز ولكن رغم هذا قد نسمح لأنفسنا القول: بأن أدونيس في بعض قصائده – ونوكد على بعض- يفلسف ويؤرخ أكثر مما يقول شعراً، وهو بهذا يكون في بعض قصائده وسطوره الشعرية أقرب إلى حكيم قريته "قصابين" من الشاعر الحداثي.


نقول هذا لأننا نرى أن للشعر وأي شعر جناحين قد لايجيد الشاعر الطيران في سماء الشعر بدونهما، وهما الإيقاع، ثم الصورالشاعرية المرهفة الجمال والخيال المحلق وفنية التعبير والتركيب العباراتي الأنيق، وإذا ما طغت قوة أحد الجناحين على الآخر قد يؤدي ذلك إلى إرباك القول الشعري لدى الشاعر وظهور خلل في المستويات الشعرية لديه، وسيخسر قارءه وسيفقد ما يعرف بالتلقي الذي هو المنتج الثاني للنص لا مستهلكه حسب المناهج النقدية الحديثة.
وسنستعين بإثبات وجهة نظرنا هذا بكتاب الناقد العراقي الدكتور صابر عبيد الموسوم بـ(شفرة أدونيس الشعرية) والذي بهرته فحولة الشاعر فبدا يعالج أسطره الشعرية بفلسفة نقدية رصينة غائصاً بالتفسير والتحليل في جانب واحد من جانبي الشعر ألا وهو جانب التركيب والصور الشعرية وقد غلبته فحولة الشاعر وصيته الذائع، فراح يكيل المديح للشاعر وقصائده بدون تمييز بين القصيدة الجيدة والرديئة، متناسياً الشروط التي يجب توفرها في القصيدة الشعرية حتى تكون شعراً عن حق وحقيقة، أي بدا الناقد مأخوذاً بالجانب الإيحائي من قصائد الشاعر مهملاً تماماُ الجانب الآخر المتمثل بالإيقاع الشعري والذي لن يكون الشعر بدونه شعراً، وسيكون أشبه بأكل سمكة محسكة تذهب طعم اللقمة حين النبش بالأسنان عن العظام الرفيعة وحين البلع لن تحس بلذة تذكر. فليس الشعر شعراً إذا لم تهزك أبياته طرباً وانتشاء وتذوقاً والتذاذاً عكس ما تذهب إليه البنيوية والتفكيكية معاً. وسوف لن يبحث القاريء حينما يقرأ شعراً عن الدلالة اللغوية  لسطوره الشعرية فقط، بل يبحث كذلك عن رنتها الموسيقية العذبة وترانيم الإيقاع التي تشنف آذانه الحساسة المرهفة. وهكذا فالسطور الشعرية يجب أن تبتعد عن اللغة النثرية العادية إلا إذا صاحبها إيقاع سلس عذب وجمالية في الإيحاء والصورة الشاعرية المرهفة.
ولنتأمل هذه السطور الشعرية لأدونيس والتي انبهر بها الناقد العراقي محمد صابر عبيد لأنها فقط من شاعر فحل كأدونيس والذي هو لدى النقاد العرب فوق النقد ولايجوز إلا الإشادة في كل ما كتب وسطر من جمل وسطور شعرية نابعة من رهافته الشعرية وحسه الأنيق، فهل تنطبق على كل أشعاره وقصائده شرطي الشعر وهما شرطي الإيقاع والإيحاء معاً...؟ . يقول أدونيس في قصيدة سير ذاتية، يقول أدونيس:
لم أكن تجاوزت الثانية عشرة
عندما بدأت الحرب العالمية الثانية
كان جو القرية
يبدو كمثل طست من النحاس
يكسوه الصدأ.
تعذبنا، جعنا.
كنا نبحث في الحقول عن أعشاب
تحل محل البرغل والقمح والخبز.
هكذا تعرفت إلى رحم الطبيعة،
ذقتها، وتذوقت أعشابها.            
يقيناً هذا ليس في الشعر والشاعرية في شيء، بل إنه و كما يبدو سطور نثرية تفتقر إلى أدنى مقومات الشاعرية، وسرد سير ذاتي مسحوب منها جوانبه الفنية، ونراه وقد أبدع في جانب واحد منها وهو الجانب الإيحائي غافلاً جانبها الإيقاعي تماماً، ورغم علمنا بأن البنيوية ترتئي التحول والتغيير المستمرين في القصيدة الحداثية وترفض القصيدة التي يتمايل القاريء أمام سطورها الشعرية طرباً وانتشاء وهو ما تعتبرها في هذه الحالة قصيدة جامدة لاحراك فيها، ألا أننا و– رغم ذلك – نقول بأن قاريء القصيدة الشعرية المتحولة والتي لا تثبت على قرار هو من جانبه قاريء متحول ويواكب التحولات الحداثية ويغير مفاهيمه وطريقة انتشائه ومتعته الشعرية باستمرار، ولذلك لا يخلو الدهر لا في أيام أدونيس ولا في قادم الأزمان من القاريء الذي سوف ينشد الشعر الذي يثير فيه كوامن النفس وشجن الروح إلى جانب الحراك والتغيرات في بنية القصيدة الحداثية معاً. أي ماأريد قوله هو، ليس صحيحاً أن القاريء وأي قاريء في العالم يقرأ الشعر ليفك الطلاسم والألغاز المواكبة للتغيرات في المضامين الشعرية وحدها ويبقى عبداً لشطحات خيال شاعر قد لايجيد حتى التشطيح ذاته، بل إنه ينشد بالإضافة إلى ذلك الإلتذاذ بالجانب الإيقاعي منه أيضاً. لهذا رأينا بأن مثل هذه السطور المدونة أعلاه غير قادرة على إثارة لهيب الذات القارئة لأنها تفقد جانبها الإيقاعي والفني معاً، وليس فيها ما يتذوقه القاريء الخبير باستثناء صورة شاعرية واحدة جنحت نحو التجسيد لكنها في الحقيقة مفعمة بالجمالية الفنية وبالثراءات الدلالية الماتعة، كما في هذا السطر – كان جو القرية - يبدو كمثل طست من النحاس – بينما باقي السطور في مجملها تدخل ضمن الكلام اليومي التقرير العادي، وقد يحس المرء بأنه هنا أمام قروي ساذج يروي لجاره الريفي بضع جمل عما كان يقاسيه في دوامة الحرب ويتعذب من أجله. أويلقي في أحسن الحالات تقريراً خبرياً حدث وانتهى ضمن إطار زمني استذكاراتي وتداعيات ذهن فلاحي بسيط.
وأي صاحب نثر قدير قادر على أن يأتي بمما أتى به أدونيس في هذه السطور، فأين الإيقاع الشعري هنا إذاً الإيقاع الذي اضرب الشاعر صفحا عنه، بل اقتصرت السطور على جناح واحد من جناحي الشعر وهو الجانب الذي ما لايرغب فيه القاريء لوحده بالمطلق ألا وهو الجانب النثري والمضمون الممل.  ونقول هنا ما نكرره دوماً، من أن قاريء الشعر كالصائم يريد أن  يستلذ بما يقرأ لذتين، لذة مع ايقاع عذب يشنف آذانه وتشدو بها نفسه، ولذة  تأتي مع فك طلاسم وايحاءات الصور الشعرية والجمل الاستعارية والتي تطفح بها السطور الشعرية لأدونيس عادة واعتاد أن يمتح منها في تناول مواضيعه وأسفار أشعاره.  
وفي هذه السطور يقول أدنيس:
كان الجيران
يحيطون بأبي كأنه نقطة الدائرة.
يأتمون به في الصدق والمعرفة والصلاة.
في الأشياء الأخرى، كانوا يأتمون بغيره       
نرى أدونيس هنا يعبر بطريقة نثرية سردية، تفتقر إلى الكثير من السمات الشاعرية ما يدورفي وعيه الفردي حول مركزية الأب الصارمة واستحقاقات طفولة في غاية الملل والضجر، بعكس قصيدته الموسومة بـ(أنتِ واليخت) والتي ستمر معنا لاحقاً. رغم أنه من جانب الموضوع استطاع أن يمنح الراحة النفسية للقاريء حينما وزع الصفات الشخصية بين الأب والآخرين بحركية فنية رشيقة، وترسيم صورة سردية معبرة عن الأب المحوري، وإعطاء دفعة حركية في واقعه المتخيل في عملية تشابك بين الأسماء التي تحمل صفات أخلاقية والأفعال أو الجمل الفعلية المكتنزة بالدلالات الحركية الحوارية- يحيطون – يأتمون – يأتمون – ويلاحظ أنه لم ينسب الشجاعة إلى أبيه فلربما كان الرجل على شيء من المسالمة والرزانة والتعقل. كما تدل عبارة /يأتمون به/ على إضفاء هالة من القدسية والإعجاب بالأب وتضخيم  للذات الأبوية لدى السارد الشعري. لكن السطور مرة أخرى تفتقر وعلى العموم إلى الإيقاعية وتقتصرعلى التلاعب بذهنية القاريء بجمل وعبارات ليس فيها من الشاعرية شيء. 
ويستمر أدونيس في سيرته الذاتية بقوله:
كنت تحت شجرة التوت، أمام بيتنا،
لا أتوقف عن الحلم ببناء عرزال بين نهديها،
أقرأ فيه نهاراً وأنام فيه ليلاً.
كانت تلك المرأة الأولى التي أحقق فيها حلمي      
الأول.
اعتاد الشاعرفي قصيدته الشعرية السير ذاتية هنا استخدام الأفعال الماضية بصغتي الغائب/كانت/ والمتكلم/كنت/، في حالة اشتباك الذات مع الطبيعة الريفية الساحرة والمرأة التي عشقها وحقق فيها حلمه الأول، ولذا نلمس بوضوح جانباً من وصف جميل لأوان المراهقة والصبا تعبر عن الفحولية الجنسية الطاغية لدى الشاعر بصور شاعرية جميلة كما في - ببناء عرزال بين نهديها – وزادته جمالية تضوع نفحات قروية من الريف السوري الجميل. ومع كلمة /لا أتوقف/ أعطى الشاعر سطوره الشعرية والحدث السير ذاتي دفقة حركية طافحة بالحيوية والإثارة، أي ما نود قوله هو، توفر السطورهنا على عبارات إيقاعية ومموسقة بعكس ما سبق من سطور المقطع الأول، والتذاذ القاريء هنا بالسطور على العموم قد يكون من جانب السرد القصصي ثم من الشاعرية والإيقاعات المتناسقة التي تحتويها كما في – أقرأ فيه نهاراً وأنام فيه ليلاً –  كما أدرك الشاعر بأن القاريء الحالي لايطرب لسماع السطور النثرية الناشفة وحدها، ولذا أضاف إليها وبذكاء الصورة الشعرية الأجمل – لا أتوقف عن الحلم ببناء عرزال بين نهديها – حيث يريد  الشاعر إثبات ذاته كشاب مقبل على الحياة هنا.    
وبالمقابل لدى أدونيس قصائد تطفح بالإبداعية وبصياغة فنية باذخة الجمال، كما هذه السطور من قصيدة(أنتِ واليخت):
أنت واليخت وأن نبحرا
في الرياح اللينات الهبوب
في التعلات وخفق الطيوب
في الذرى
من خضم ليلكي الغروب
كاد مذ أومأت أن يزهرا
(رندلي -  أدونيس)      
هنا استطاع الشاعر بموهبته الشعرية الفذة أن يتلاعب بانفعالات القاريء وإهواءاته النفسية عن طريق المضمون الشعري أولاً، ثم التلاعب بقافية السطور الشعرية لتؤلف سيمفونية من الألحان المتناسقة الإيقاع والتي جاءت في غاية الروعة والجمال ثانياً.
وفي النهاية نقول: لقد جاءت دراستنا هذه رغم ما لا ينكر من أن أدونيس شاعر فذ دخل في مرتبة الشعراء العالميين بجدارة واقتدار، وتحسب له مواقفه المبدئية الرائعة تجاه حقوق  الشعوب. لكن ما كانت دراستنا هذه إلا لنزيل عن ذهن القاريء والناقد معاً بأن ليس هناك شاعر فحل في كل ما يكتب من قصائد، بل هناك قصائد جيدة وأخرى رديئة يكتبها الشاعر وأي شاعر، وعلينا إذا ما عن لنا دراسة قصيدة شعرية أن ننظر إلى القصيدة وليس إلى شاعرها وهو مبدأ من مباديء النقودات الحديثة، ولكني أضيف إليها بأن هذا لايمنع هذه النقودات من الإستعانة بمعرفة الشاعروبيئته في فهم القصيدة وفك مغاليقها وطلاسمها، على ألا يخدع القاريء أو الناقد نفسه وينجر وراء فحولة الشاعر ويمدح كل ما دبج، وسطر، ودون، وكتب، لكن هذا ما نعتقده من أن الدكتور صابر عبيد قد أتبعه في شيفرته الأدونيسية، أي أنه كان مبهوراً بفحولة الشاعر القدير أدونيس فلم يميز كناقد كبيرغث قصائده من سمينها.
..........................................................................................
      

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 2.77
تصويتات: 9


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات