كلمة في العنف

  مير أومري

إذا كان العنف هو كل إيذاء مادي أو معنوي، باليد أو باللسان، بالفعل أو بالكلمة، يمارس بحق الآخر؛ الآخر المختلف، واعتداء على وجوده المادي وغير المادي: السياسي، الاقتصادي ، الديني، القومي..

فإن هذا الفعل ليس بجديد في ثقافة مجتمعاتنا، فالإقصاء والإنكار والاغتيال المادي الجسدي أو المعنوي المتمثل بتشويه سمعة الآخر أو تحويله إلى مجرد تابع أو عبد..

أو ما شابه ذلك، تمثل في مجموعها سلوكيات لها حضورها البارز والفاعل في تاريخ مجتمعاتنا وتراثها: الديني، الأسطوري، الشعبي، بدءاً بجلجامش الذي لم يترك ابناً لأبيه أو فتاة بكراً ومروراً بممارسات الحجاج بن يوسف الثقفي وعباس السفاح وأشكال وألوان التعذيب في القبر وفي جهنم، وليس انتهاء بقصص الجان والعفاريت التي ما تزال حاضرة في حياتنا، غير أن ممارسات العنف في حياتنا المعاصرة تجهد في إعادة إنتاج ثقافة القهر والعنف القديمين بأدوات وآليات معاصرة، وذلك عبر جملة عوامل قديمة جديدة.
– مقدمات العنف :
 إن حجم البطالة المتزايدة، وما يؤدى إليه من خلق فجوة بين واقع يزداد سوءاً ومتطلبات هي أقل من الطموح ساهم، ويساهم في ولادة مشاعر الإحباط لدى قطاعات واسعة من الشباب خاصة، وما يزيد من حدة هذه المشاعر لدى هذه القطاعات ملاحظتها لحالات الثراء الفاحش المتفاقمة لدى قطاعات أخرى، ليست بأحسن منها، كفاءات ووطنية، ولكنها محسوبة على النظام وهي تمتهن أعمالاً معينة: كالصيرفة والسمسرة والتوكيلات التجارية وتجارة الممنوعات والتهريب بمختلف أنواعه..

إضافة إلى قطاعات مماثلة أحالت القطاع العام إلى إقطاعيات مرهونة باسم من يديرها، وذلك من خلال ممارسة سياسة قائمة على مبدأ المحسوبية لا الكفاءات، والتبعية لا الاستقلالية ،العلاقة بين الموظف ومدير المؤسسة هي علاقة سيد وعبد لا علاقة موظف ومدير.
ومن الطبيعي أن تحتاج هذه الممارسات كي تستمر وتفعل فعلها في بنية المجتمع إلى نظام مركزي يتعدى احتكاره للسلطة إلى احتكار للشرعية والحقيقة، بل للوطنية أيضاً، لهذا التفرد أثره السلبي على المواطن في كل مناحي حياته وخاصة في مجال التعامل مع العمل السياسي في أطر حزبية رسمية خاصة ،الحزب الحاكم أو ألأحزاب الدائرة في فلكه، أو حتى أي نشاط آخر غير سياسي، غير أن نهوض قوى وبروز أفكار وظهور تيارات وتوجهات جديدة غير منسجمة مع توجهات السلطات، سيدفع بالسلطة إلى استخدام كل أنواع العنف للدفاع عن نفسها ومكاسبها، تبدأ باتهام المعارضين وتخوينهم واغتيال سمعتهم بالعمالة للخارج الأجنبي وتجريدهم من كل ما يمت للأخلاق بصلة..

وانتهاء بتصفية أجسادهم ،مستخدمة في ذلك كل ما تملكه من قوة عسكرية وأمنية.

– مشروعية العنف ولا مشروعيته:
تبرر الأنظمة استخدامها للعنف بأحقية لجوء الدولة إليه بقصد فرض النظام وتحقيق حماية أمن المواطن والوطن، وهو عنف مشروع لجأت، وتلجأ إليه، كل الدول والأنظمة حين تجنح فئة أو مجموعة أفراد من المجتمع إلى تهديد السلم الأهلي وزعزعة استقرار الوطن، وهذا التوجه صحيح ، وحق مشروع للنظام، ولكن ليس كل نظام، فالعنف في الأنظمة غير الديمقراطية بعكس الأنظمة الديمقراطية، ففي هذه الأنظمة يتوجه العنف ضد أغلب شرائح المجتمع لصالح فئة قليلة استأثرت بالسلطة والمال؛ عنف سلطوي يتوسل الإذلال منهجاً، والتسيد مبدأً؛ عنف يتحول في حالات تجاوز المعارضة من أضعف الإيمان إلى معارضة باليد أو حتى باللسان، إلى إرهاب تمارسه شبكات الأجهزة الأمنية، الرسمية وغير الرسمية، التي ما كان لها أن تنمو وتقوى إلا على حساب ضعف مشاريع التنمية المؤجلة، بل مفرغة من محتواها.

– العنف عجز العقل:
ثمة نهايات لهذه السياسات أنى وجدت، والتي لا بد أن تلاقي الرفض والاحتجاج في نهاية المطاف كما هو حاصل في أكثر من ساحة عربية، ومنها سوريا.

وما مراهنة السلطات على عامل الوقت لقمع المتظاهرين والقوى المناهضة لممارساتها، سوى مساهمة منها في تنفيذ السيناريو الخارجي الذي ترهب به مناوئيها، فنجاح سيناريو النظام في استتباب الأمن لها لن يكون سوى مسألة وقت، وقت مستقطع من التاريخ والحضارة ، هذا عدا عن أن العنف لن ينتج في النهاية سوى عنف مضاد له، طال الزمن أم قصر: عنف مساو له في القوة والشدة ، انشطاري منفلت، يتبعه سقوط في هاوية؛ سيكون الخروج منها سيزيفياً ؛ سقوط يتبعه سقوط ..

يتبعه خراب عميم .
إنها مرحلة تاريخية جديدة ..الحرية أولى استحقاقاتها.
فوطن بلا حرية مجرد تراب وحجر، ومسكن أشباح لا بشر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

التقرير السياسي لشهر تموز 2026 الإطار الإقليمي والدولي وتحولات المشهد الجيوسياسي تواصل الإدارة الأمريكية، في سياق سياساتها المعاصرة، إعادة هندسة أولوياتها الاستراتيجية في أكثر من بقعة حول العالم، بما يؤشر إلى ميلاد ظاهرة جديدة ارتبطت باسم رئيسها “دونالد ترامب”، تقوم على كسر الأعراف الدبلوماسية التقليدية لصالح مقاربة الصفقات المباشرة. وتلقي مذكرة التفاهم لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بظلالها الثقيلة…

د. محمود عباس من المرحلة الانتقالية إلى حكمٍ بلا نهاية. قيل لفرعون: من فرعنك؟ قال: لم أجد من يردّني. وفي سوريا اليوم، تتكرر الحكمة بوجه أكثر خطورة؛ فحين ترفع بعض الشرائح السنية المتطرفة شعارات من نوع: «سوريا لنا إلى الأبد» و«نحن بنو أمية»، فهي لا تعلن شراكة وطنية، بل تبشر بفرعونية جديدة تستبدل طاغيةً بآخر، ومظلوميةً بهيمنة. فالشعب الكوردي ليس…

شكّلت المنظمة الآثورية الديمقراطية، منذ انطلاقتها، أول مدرسة قومية سياسية بين أبناء شعبنا السرياني الآشوري، إذ مثّلت أفكارها ومبادئها تحولاً نوعياً وثورة فكرية على البنى الطائفية والعشائرية التي كانت سائدة آنذاك. وقد حملت مشروعاً سياسياً وطنياً وقومياً يستند إلى قيم الحرية والحداثة، الأمر الذي جعلها تواجه مقاومة من مختلف القوى الاجتماعية والدينية التي رأت في مشروعها تهديداً لمصالحها ونفوذها. وكان…

اكرم حسين يظلّ الطرح الهام للدكتور عبدالحكيم بشار في مقاله “نحو مراجعة جذرية للوضع الكردي في سوريا”، بحاجة إلى آليات تنفيذية واضحة، وإلا تحوّل إلى نخبوية فكرية لا تتجاوز صفحات التواصل الاجتماعي . فالسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس “هل نحتاج إلى مراجعة؟” لأن ذلك قد بات بديهياً، بل “كيف ؟ ومن سيقوم بهذه المراجعة؟”. إن تجارب المراجعات في الحركة الكردية،…