عندما يقود “الكتّاب الانتهازيون” وعي الشارع الكردي

محي الدين حاجي

تواجه الساحة الفكرية والسياسية الكردية اليوم أزمة وعي حادة تفرضها شريحة متزايدة من الكتّاب والمعلقين هؤلاء يعتمدون على نقل الأخبار السطحية من صفحات الأنترنيت دون تدقيق، للشهرة واكتساب صفة المحلل السياسي.

تعتمد تلك الأقلام على وسائل الاعلام التجارية والمحرضة  وتزيف الحقائق .وتحول في نظر الشارع إلى حقائق مطلقة، مما يساهم في تزييف الوعي العام وتوجيه الجمهور نحو مسارات عاطفية ومضللة بعيد عن الواقع ، مسببة حالة من الهلع وفقدان الثقة المطلق بتاريخ المنطقة والحركة.

القضية الكردية تعيش اليوم بين مطرقة الكاتب الانتهازي الذي يبيع الوهم للجمهور، وسندان غياب الموقف السياسي الموحد الذي يحمي المكتسبات.

على وقع الفشل في الساحة الكردية  السورية، برز الخلل الإعلامي مجدداً في التعاطي مع التحركات الأمريكية الأخيرة؛ وتحديداً مع إعادة تدوير وتعيين المسؤول الأمريكي “توم باراك” في ملفات المنطقة مبعوثاً رئاسياً خاصاً ومحركاً لسياسات واشنطن.

الأقلام الافتراضية سارعت لإعلان  النصر والتخلص من شخص حاك المؤامرات وتصفية القضية الكردية بسوريا. بينما تكشف القراءة الرصينة لخلفية باراك—باعتباره رجل أعمال ويمتلك شبكة شركات اقتصادية كبرى—عن تداخل وثيق بين السياسة والمال؛ إذ يقود باراك مشروع محور اقتصادي (تركي – قطري) يسعى للهيمنة على المنطقة عبر بوابة إعادة الإعمار، وهي عقيدة تتماشى تماماً مع تفكير الرئيس دونالد ترامب القائم على منطق الصفقات والأرقام، وتتحرك هذه العقيدة وفق خيارين :

الخيار الاول  سيحاول تطبيق “النموذج السوري” في العراق؛ وهو دعم الحكومة المركزية في بغداد للتخلص من الفصائل المسلحة وخلق بيئة آمنة للشركات الاقتصادية تحت شعار دولة واحدة وقرار واحد، مع إيجاد أرضية لإقليم كردستان تدمجه إدارياً واقتصادياً مع المركز لتسهيل حركة الاستثمارات، دون حسم استحقاقه القومي المستقل.

الخيار الأصعب في حال استعصاء بغدادإذا اصطدم مشروع باراك بالفشل في تطبيق “النموذج السوري” داخل العراق نتيجة تعنت المركز أو عدم القدرة على كبح جماح الفصائل المسلحة التابعة لايران، سيكون أمامه الذهاب نحو الخيار الأصعب والأكثر جرأة؛ وهو الالتفاف كلياً على بغداد والتركيز على إقليم كردستان لجعله القوة الرئيسية والمركزية في المنطقة، وتحويل أربيل إلى القطب الاقتصادي والعسكري في المنطقة.

هذا التموضع الدولي يضع الكرد في العراق أمام امتحان صعب ومهم بسبب الوضع الحالي للاقليم و معضلة الانقسام البنيوي الحاد داخل البيت الداخلي الكردي، حيث يكرر القادة أخطاء التجربة السورية من خلال اتجاهين متعاكسين تماماً يحولان دون استثمار أي من هذه السيناريوهات:

نهج الاتحاد الوطني الكردستانييرى مصلحته التكتيكية في تقوية العلاقات مع المركز (بغداد) وبناء تفاهمات مع القوى والفصائل المتنفذة هناك وبالاخص الموالية لايران، بهدف إضعاف هيمنة خصمه التقليدي في الإقليم.

نهج الحزب الديمقراطي الكردستانييتمسك بتعزيز سلطة الإقليم السياسية والاقتصادية المستقلة، لحمايةً الكيان الدستوري الكردي من الذوبان.

هذا التعاكس أدى إلى شلل كامل؛ حيث عُطل البرلمان والحكومة وتأخر توحيد المؤسسات. هذا الفراغ منح الأطراف المخالفة للإقليم في بغداد وحلفاءهم الإقليميين بالاخص ايران  الفرصة والذريعة للضغط على الموقف الأمريكي (وتحديداً فريق باراك) لإنجاز الصيغة الأولى (التذويب والدمج بالكامل) وحرمان الإقليم من فرصة الصعود كقوة رئيسية بسبب تشتت بيته الداخلي.

أمام هذه الخيارات الدولية المفتوحة، ينتقل عبء المسؤولية التاريخية مباشرة إلى كاهل الحركة السياسية الكردية في الإقليم. إن المطلوب اليوم لمواجهة طموحات المحاور واقتناص الفرص الاستراتيجية يتلخص في معادلة واحدةالتوافق والتكاتف الفوري.

إن إنهاء الانقسام وحسم ملفات البرلمان والحكومة وتوحيد الخطاب الدبلوماسي والأمني (البيشمركة)، هو السبيل الوحيد لسحب البساط من تحت أقدام المتربصين في بغداد، وعدم إعطاء أي مبرر أو ثغرة لـ “باراك” أو غيره لتمرير مخططات وحصار الاقليم وافراغه من محتواه الفيدرالي.

المطلوب من الحركة الكردية هو تقديم إقليم كردستان للمجتمع الدولي والبيت الأبيض ليس ككيان مأزوم ومشتت، بل كشريك استراتيجي صلب، والضامن الحقيقي والنموزج الوحيد للأمن والاستقرار في المنطقة، والنموذج الناجح والوحيد للتجربة الديمقراطية والتنمية الاقتصادية في  عراق مضطربحينها فقط، سيُجبر صانع القرار في واشنطن والعالم على اعتماد الإقليم كقوة رئيسية في المنطقة، وتتحول التحديات إلى أكبر مكسب تاريخي للقضية.

إن تلازم سطحية الإعلام مع تفكك المشهد السياسي يهدد بضياع المكتسبات القومية. لذا، فإن قدرة المتلقي على التمييز بين الكاتب الانتهازي الذي يعيش على التفاعل والاخبار اليومية ، وبين القراءة السياسية الرصينة التي تستوعب أسباب الإخفاق الحزبي داخل المجتمع الكردي وتدرك أهمية التلاحم الداخلي لفرض شروط الحركة على المسرح الدولي، هي الضمانة وحبل النجاة لحماية مستقبل الشعب الكردي من التصفية والضياع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…