الذكاء الاصطناعي وصناعة المثقف الوهمي

يسرى زبير

في زمن التكنولوجيا، يبرز سؤال ملح: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟

في زمنٍ أصبح فيه المثقف مهمشاً، والكاتب مهملاً، والشاعر مستبعداً، والكتب مركونة على الرفوف يكسوها الغبار في الزوايا، يبرز هذا السؤال بإلحاح أكبر.

في الوقت الذي كان فيه كثيرون عاجزين عن كتابة سطر واحد، أو بعيدين عن عالم القراءة والكتب، أصبحوا بين ليلة وضحاها يقدمون أنفسهم مثقفين وكتّاباً. ينشرون يومياً المقالات والتقارير، ويحللون الأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية، ويحملون هموم المثقفين على أكتافهم، مستندين إلى صديقهم المقرب: الذكاء الاصطناعي.

لا يمكن إنكار أن ظهور الذكاء الاصطناعي كان نعمة لكثير من الأدباء والكتّاب، فقد ساعدهم في تدقيق نصوصهم وتحسينها وتطوير أدواتهم الكتابية، لكنه في المقابل تحوّل عند البعض إلى وسيلة تختصر الجهد والمعرفة والتجربة.

فمن كان قبل سنوات قليلة لا يجيد كتابة فقرة متماسكة، أصبح اليوم ينشر في الصحف والمجلات، ويعرض منشوراته مرفقة بصوره على منصات التواصل الاجتماعي، ظناً منه أن الصور قادرة على تجميل ما يكتبه له الذكاء الاصطناعي.

المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في طريقة استخدامه. فهو أداة يمكن أن ترتقي بالكاتب الحقيقي، وتساعده على تطوير أفكاره وصقل لغته وتنظيم نصوصه، كما يمكن في المقابل أن تمنح وهماً بالثقافة لمن لم يمر بتجربة القراءة والبحث والتعلم، ولم يبنِ معرفة حقيقية عبر الجهد والتراكم المعرفي.

فالذكاء الاصطناعي لا يصنع مثقفاً من فراغ، ولا يمنح عمقاً لمن لم يتعب في الوصول إليه، بل يكشف الفارق بين من يستخدمه كوسيلة دعم وتطوير، ومن يتخذه بديلاً عن المعرفة والتجربة.

فالمعرفة لا تُختزل في نصٍّ جاهز يُكتب بضغطة زر، والثقافة لا تُقاس بعدد المقالات المنشورة أو المنشورات اليومية، بل بعمق الفكر، واتساع التجربة، وأصالة القراءة، وصدق الكلمة التي تنبع من وعيٍ لا من محاكاة.

وفي النهاية، يبقى الذكاء الاصطناعي مرآةً لطريقة استخدام الإنسان له: إما أن يضيف إلى وعيه، أو يكشف فراغه.

شارك المقال :

3 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

د. محمود عباس من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء…