زيور العمر فالتوقع بأن ثورات و إنتفاضات إجتماعية بيد الشباب ستحدث في دول مثل تونس و مصر و تؤدي الى إقصاء زين العابدين بن علي و حسني مبارك لم يكن مجرد حلم.
الإحساس بأن هذه الأنظمة ستبقى الى الأبد بدا كواقع مفروض لا مناص من القبول به.
و هو ما دفع بمعظم المعارضات السياسية الى تبني شعار الإصلاح بدلاً عن التغيير , و التدرج في تحقيق المطالب عوضاً عن التغيير الخاطف و السريع.
و لعل إمتداد الإضطرابات و حركات الإحتجاج الشعبية الى بلدان أخرى , كما هي الآن في ليبيا و اليمن و غيرها , تجعل من مقاربات الإجتماع السياسي التقليدية على إمتداد عقود لحالة الشعوب العربية و بنية مجتمعاتها , فشل لكل الإيديولوجيات و المناهج الأكاديمية في مجالات العلوم الإنسانية.
الإعتقاد الراسخ بقدرة أي نظام قمعي في المنطقة على سحق أية مفاجاة تخرج من الشارع , لم تدع مجالا للتفكير بأن الأمور من الممكن أن تنفلت و تخرج من تحت السيطرة.
و لأن طبيعة و بنية و إمكانات التركيبة (التوليفة) السياسية في هذه البلدان , و خاصة من جهة المعارضات السياسية , تكاد تكون معروفة ومكشوفة من حيث ضعفها وهشاشتها , فضلاً عن بعدها عن ههموم و إهتمامات الشارع و جماهيره , فإن إستشراف إمكانية أو إحتمال قيام ثورات في هذه البلدان كان مجرد فكرة سياسية رومانسية , لا أقل و لا أكثر.
إذاُ, الأمر يدل على سوء تقدير من جانب كل الأطراف السياسية , سواءاً من قبل أنظمة الحكم أو القوى السياسية المعارضة لتلك الأنظمة.
فمن جهة لم تأبه أنظمة الإستبداد و القمع للنتائج و التداعيات الكارثية الناجمة عن سياساتها تجاه شعوبها على إمتداد عقود من الزمن, بحيث يصبح كل ضرب من ضروب التسامح معها , أمراً في غاية الصعوبة , إن لم يكن من المستحيل, كما لم تسعى القوى السياسية في هذه المجتمعات و الدول من جهة أخرى الى قراءة التحولات الإجتماعية و النفسية الناتجة عن ثورة المعلومات و الإتصالات, و الإمكانات التي وفرتها لطاقات مجتمعية باحثة عن مساحات للتنفس قبل أن تتحول الى التفكير في تحركات جماهيرية شعبية عفوية لا تحتاج الى أطر تنظيمية تقليدية.
و قد يتحول هذا الوضع الجديد الغير ممهد له , بالقراءة السليمة و التحضيرات اللازمة , الى فوضى و نزاعات خطيرة , خاصة في الدول التي يستدعي التغيير فيها, هدم النظام القديم بأكمله كما هي الحال مع ليبيا على سبيل المثال.
و لحسن الحظ أن دول مثل مصر بما تملك من مؤسسات و إدارات راسخة, قد لا تتفاجأ في مرحلة التوحل الديمقراطي بعوائق و معترضات من طبيعة تلك التي قد تواجه التجربة الليبية أو اليمن في المستقبل.
ففي هذه الأخيرة, قد يستدعي الأمر عقول مفكرة و مبدعة في السياسة و علم الإجتماع و الإقتصاد و خبراء في إدارة الدولة من أجل بناء أساس نظام سياسي جديد.
لذلك قد يحمل سوء التقدير في طياته مخاطر حقيقية على بعض مجتمعات المنطقة , و ذلك من خلال إنبعاث النزعات العشائرية و القبيلية و الطائفية , تؤدي بتلك المجتمعات الى الفوضى أو الحرب الأهلية.
من هنا فإن النقاشات الجارية و الحراك السياسي الداعي الى بلورة خارطة طريق لعملية التحول الديمقراطي أمر في غاية الأهمية , و مسعى في إتجاه طمأنة جميع فئات الشعب و مكوناته بخصوص النظام القادم الذي لا بد أن يمثل مصالح و طموحات الجميع بدون إستثناء.
24/02/2011






