في سياقٍ طويل من التضليل المنهجي الذي مارسته المنظومة الآبوجية بوصفها بنية أيديولوجية مغلقة، يمكن القول إن احتكارها للإعلام الحزبي الموجَّه لم يكن يوماً فعلاً عفوياً أو نتاجَ قناعة فكرية حرة، بل كان أداة مدروسة للسيطرة على العواطف قبل العقول، عبر بثٍ متواصل للأكاذيب والاضاليل، يُعاد تدويرها بمهارة دعائية تهدف إلى دفع الشباب والشابات نحو مسارات محددة سلفاً، حيث تريدهم قيادات قنديل أن يكونوا، لا حيث تقتضي مصلحة القضية الكردية ولا حيث تقف حقيقة معاناة الشعب الكردي.
لقد جرى تجنيد هؤلاء الشباب وفق أجندات ضبابية لا تمتُّ بصلة حقيقية إلى القضية التي يُزعم الدفاع عنها، بل جرى توظيف هذه القضية النبيلة كطُعم أيديولوجيٍّ لاستدراج المزيد من الطاقات الشبابية إلى معارك دونكيشوتية لا نهائية، معارك لا أفق لها ولا مشروع حقيقي خلفها سوى استدامة آلة الاستنزاف البشري، لأن استمرار هذا النهج الهدّام لا يتحقق إلا بالسباحة في سيول دماء هؤلاء الشباب، وحين تتوقف إراقة الدماء، ينكشف الفراغ القاتل الذي تعيش عليه هذه المنظومة، فلا يبقى ما تسبح فيه ولا ما تتغذى عليه.
ومن هنا نفهم سبب الارتباك والذعر اللذين يعتريان هذه المنظومة اليوم، إذ إنها تواجه للمرة الأولى في تاريخها كماً هائلاً من الإعلام الخارج عن سيطرتها، إعلاماً كسر الاحتكار وأسقط القداسة المصطنعة، فلم تعد زمام المبادرة بيدها، ولم تعد قادرة على التأثير كما في السابق، لأن العالم بات قرية صغيرة بالفعل، تُسمَع فيه الهمسة في أقصى الشمال كما تُسمَع في أقصى الجنوب، ولم يعد بالإمكان إخفاء الحقيقة خلف شعارات خشبية أو بيانات ثورية جوفاء.
لهذا نراهم يتخبطون، يفبركون الأكاذيب، ويعيدون إنتاج الخطاب نفسه بوجوه جديدة، لكن هذه الأكاذيب لم تعد تنطلي على أحد، لأن الوعي الجمعي الكردي بدأ يتحرر من سطوة الإعلام الموجَّه، وأصبح قادراً على التمييز بين القضية الحقيقية وبين من يتاجر بها، ومن هنا تبرز ضرورة دعم كل من يعمل في وسائل التواصل الاجتماعي، بكل أشكالها الهادفة، لتعرية هذه الأيديولوجيا التي تعيش على الدماء، لا بدافع الخصومة المجردة، بل بدافع إنقاذ ما تبقى من المخدوعين بها قبل أن يتحولوا إلى وقود جديد في محرقة لا تخدم سوى قلة متحكمة.
إن خطورة هذه المنظومة لا تكمن فقط في ممارساتها العسكرية، بل في خطابها الفكري الذي يسعى إلى تفريغ القضية الكردية من مضمونها القومي، فتارةً باسم “أخوّة الشعوب”، وتارةً أخرى باسم “الأمة الديمقراطية” و”الاندماج الديمقراطي”، وشيطنة مفهوم الدولة القومية باعتباره عائقاً أمام تطور الشعوب، متناسين – أو متجاهلين عمداً – أن الأمم والشعوب لم تتطور تاريخياً إلا في إطار دولها القومية، وأن كل تجارب النهضة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم قامت على أساس الدولة الوطنية ذات السيادة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي تتعمد هذه الأيديولوجيا الهروب منه: لماذا تصبح الدولة القومية عائقاً فقط عندما يتعلق الأمر بالكرد؟ ولماذا لا تُعدّ الدول القومية القائمة على جغرافية كردستان عائقاً أمام التطور، بينما تُصوَّر المطالبة بدولة قومية كردية على أنها جريمة فكرية أو انحراف أيديولوجي؟ أليس في هذا التناقض الفاضح دليلٌ على أن الخطاب ليس سوى غطاءٍ لمشروعٍ يهدف إلى إذابة الكرد في بوتقة الدول المسيطرة، لا إلى تحريرهم؟
إن الإعلام الذي يُدار وفق ما يُملى في أقبية الاستخبارات، مهما تلون بشعارات براقة، يبقى إعلاماً وظيفياً هدفه النهائي إضعاف الكرد كقضية وكيان، وليس صدفة أن تتقاطع سرديات هذه المنظومة مع مصالح الدول التي تتقاسم جغرافية كردستان، لأن النتيجة واحدة: إفراغ المطالبة القومية الكردية من محتواها وتحويلها إلى شعارات عابرة بلا أفق سياسي.
من هنا، فإن معركة الوعي اليوم لا تقل أهميةً عن أي معركة أخرى، بل هي المعركة الفاصلة، ومعركة كسر احتكار الخطاب، وفضح التناقضات، ووضع الإصبع على الجرح، لأن تحرير الإنسان الكردي من الخداع الأيديولوجي هو الشرط الأول لتحرير القضية نفسها، ولأن كل قطرة دم تُسفك خارج مشروعٍ وطني واضح ليست تضحية، بل خسارة مضاعفة يدفع ثمنها الشعب، بينما يواصل المتحكمون السباحة في دمائه.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه المنظومة في الأجزاء الأربعة من كردستان عن رموزها وبُناها التنظيمية المرتبطة بـ حزب العمال الكردستاني أو الحركة الآپوجية كما يسمونها الآن ، ولا عن المرجعية الفكرية المنسوبة إلى عبد الله أوجلان، ولا عن مراكز القرار المتحصنة في جبال قنديل، حيث تُدار اللعبة بعيداً عن معاناة الناس اليومية، وبعيداً عن آمالهم المشروعة في الحرية والدولة والكرامة.