د. مرشد اليوسف
في أوائل مايو 2026، نشبت أزمة في مدينة الحسكة بشمال شرق سوريا، بعد أن قامت الحكومة السورية المؤقتة بإزالة اللوحة التعريفية للقصر العدلي، والتي كانت مكتوبة باللغتين العربية والكردية، واستبدالها بأخرى بالعربية فقط. واعتبر الكرد هذه الخطوة استفزازية تمس هويتهم الثقافية وحقوقهم، مما أدى إلى احتجاجات واسعة قادها الشباب الكردي.
تطورت الأمور لاحقاً مع فرض قوات الأسايش إجراءات أمنية مشددة، لتتحول القضية إلى صراع مفتوح بين فئتين: واحدة عروبية تؤكد هوية الدولة العربية ومركزية اللغة العربية في مؤسساتها السيادية، وأخرى تنادي بالاعتراف بالثقافة الكردية كلغة ومكون أساسي للنسيج الوطني السوري.
ولفهم جذور الأزمة، لا بد من التمعن في المادة القانونية التي استند إليها كل طرف وهي المرسوم الرئاسي 13 كاداة للإشراف الثقافي .
فقد أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي يُعد خطوة تاريخية في الاعتراف الرسمي بالهوية الكردية.
ويؤكد المرسوم أن المواطنين الأكراد “جزء لا يتجزأ من الشعب السوري”، وأن هويتهم الثقافية واللغوية “عنصر أصيل ومكون لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية”.
كما يُلزم الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي وضمان حق الأكراد في تنمية لغتهم.
ويرى بعض الموظفين الكبار الذين يتابعون عملية الاندماج في الحسكة ، ان هناك فجوة قانونية في المرسم 13بين
اللغة الوطنية واللغة الرسمية” وهؤلاءالموظفين الكبار يرون أن الإشكالية تكمن بأن المرسوم يعترف باللغة الكردية كلغة وطنية، فإنه لم ينص صراحةً على اعتبارها لغة رسمية ثانية للدولة على غرار اللغة العربية.
وهذا الغموض القانوني هو ما تستغله تلك الأطراف الرافضة للتعددية اللغوية على اللوحات الرسمية، متمسكةً بحجة أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة للدولة السورية في مؤسساتها السيادية وهي اللغة الأحق بالظهور على لوحة القصر العدلي.
وعليه، يمكن القول إن الأزمة القانونية تنبع من تراتبية لغوية غير محددة بوضوح، الأمر الذي يخلق فضاءً رمادياً للتأويل والصراع السياسي.
والحقيقة ان الحادثة تتجاوز كونها مجرد نزاع على لغة لوحة تعريفية، لتصبح ساحة قتال رمزية .
وضمن هذه التوترات قد يتساءل البعض كيف يصرالموظفون الحكوميون الكبار على موقف يبدو “متصلباً” بشأن لغة لوحة، رغم أنهم من أبناء الحسكة ويعرفون طبيعة التنوع السكاني. والتحليل الأكاديمي يُظهر أن هؤلاء الموظفين قد يكون لهم اجندات غير أجندة حكومة دمشق ، او يخلقون التوترات لأسباب نجهلها ، من أجل عرقلة عملية الإندماج . اما بالنسبةللكرد ، فإن الحفاظ على اللوحة باللغة الكردية ليس مجرد مسألة هوية ثقافية، بل هو جزء أساسي من نضالهم السياسي. واللغة كانت دائماً أداة مقاومة للسياسات القمعية السابقة، وبالتالي، فإن إسقاط اللغة الكردية من اللوحة يُعد بمثابة عودة لسياسات التهميش القديمة.
وتعتبر إزالة اللغة الكردية “إبادة ثقافية” وإهانة لكل كردي.
وكانت احتجاجاتهم عفوية ، وقاموا بتمزيق اللوحة كتعبير مادي عن رفضهم لسياسة فرض الأمر الواقع. واليوم وبعض أن قامت الحكومة بتركيب اللوحة دون اللغة الكردية رجع التوتر مر ة أخرى .
و توفقت حركة المرور أمام القصر العدلي منذ امس . ومنعت السيارات من المرور في الجزء الغربي من الحسكة حتى ساحة السلاموهذا يؤدي إلى تعطل مصالح الناس .
واذا دخلنا في العمق فإن معضلة الحل تتمثل في وجود ثلاثة تيارات واضحة: تيار متشدد يرى في أي اعتراف باللغة الكردية نكوصاً للسيادة العربية على سوريا.
وتيار وسطي أو متحفظ يرى أن اللغة العربية هي الرسمية، لكنه قد يقبل بشكل محدود باستخدام الكردية في المجالات البلدية أو الثقافية .
وفي مقابل هذين التيارين، يوجد تيار كردي طموح يرى في اللغة الكردية لغة يجب أن تتمتع بمكانة مساوية للغة العربية في المناطق ذات الغالبية الكردية، معتبراً أن التنوع اللغوي هو أحد معايير الدولة المدنية الحديثة.
وبتصوري أن الأزمة في الحسكة تندرج تحت ما يسمى في الأدبيات الأكاديمية بـ “الصراع على الاعتراف الثقافي”. وفقاً لنظرية عالم الاجتماع الألماني أكسل هونيت (Axel Honneth)، وإن الصراعات الاجتماعية الحديثة لا تنبع فقط من توزيع غير عادل للثروة، بل بشكل أساسي من “حرمان الجماعات من الاعتراف بهويتها”. في هذه الحالة، فإن حرمان الكرد من رؤية لغتهم على المبنى الذي يمثل السلطة، يُقرأ كـ “إهانة رمزية” تلحق الضرر بالاحترام الذاتي لهويتهم. وبالتالي، فإن رد الفعل ليس مجرد غضب عابر، بل هو “نضال من أجل الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية في محافظة الحسكة .
كما يتطلب الأمر حواراً مجتمعياً حقيقياً يتجاوز منطق المركزية والرفض، ويعترف بأن قوة سوريا المستقبلية تكمن في تنوعها.
وإذا استمر التعامل مع هذه المطالب كتهديد أمني بدلاً من حوار ثقافي، فإن هذه اللوحة لن تكون آخر ساحة قتال رمزية ، وقد تدفع البلاد نحو المزيد من اللااستقرار في المستقبل المنظور.