تجربة اقليم كردستان والأمن القومي

صلاح بدرالدين *

   تحت هذا العنوان وعلى امتداد أربعة أيام (28 -31 2007) سارت أعمال الحلقة الدراسية التي نظمتها رابطة كاوا للثقافة الكردية في المركز الثقافي الاجتماعي بجامعة صلاح الدين بأربيل والتي شارك فيها كمحاضرين اثنا عشر من السياسيين والأكاديميين والمثقفين الكردستانيين  بغالبية  مكوناتهم (كرد – تركمان – كلدان) وسائر تياراتهم (القومية واليسارية والليبرالية الديموقراطية والاسلامية المتنورة المستقلة) وستون من المداخلين من مختلف الأطياف والتيارات وحضور أربعمئة بمعدل مئة لليوم الواحد ويمكن ايجاز أهمية وميزات الحلقة الدراسية هذه بالبنود التالية:
    الأول – من حيث التوقيت حيث عقدت الندوة في أوج الأزمة التركية – الكردية وفي ظل التهديدات العسكرية باجتياح أراضي اقليم كردستان بذريعة ملاحقة مسلحي (ب ك ك) من كرد تركيا المتواجدين في بعض المواقع الجبلية الحصينة على الحدود المشتركة وكذلك عشية القصف المدفعي الايراني أيضا لمناطق في الاقليم بحجة ردع مسلحين من كرد ايران يتبعون لمجموعة عسكرية – سياسية منبثقة أساسا من نفس الحزب الأم (ب ك ك) الذي يمارس العنف المسلح ضد نظام تركيا المعادي والرافض للحقوق الكردية منذ أكثر من عقدين مما يضع وبصورة مباشرة تساؤلا مشروعا عن طبيعة العلاقات الكردية العراقية بأكراد الأجزاء الأخرى بسبب التداخل الجغرافي والتشابك العائلي والعشائري والاجتماعي والانساني والامتداد الثقافي وتاليا التعاطف القومي بين سكان جوانب وأطراف الحدود الدولية المرسومة بشكلها النهائي منذ الحرب العالمية الثانية وقد كانت لاتهامات الحكومة التركية وبدرجة أخف الايرانية الموجهة الى رئاسة وحكومة  اقليم كردستان الفدرالي بدعم وايواء المسلحين الأكراد من كلا الدولتين حافزا آخر لتناول الحلقة مسألة العلاقات القومية وطبيعتها وواقعها ودرجة بلوغها ومدى صحة أو بطلان تلك الاتهامات من وجهات نظر مطلعة ومتابعة هذا اضافة الى توقيتها العراقي من حيث ردود فعل القوى السياسية من حاكمة ومعارضة على تهديدات الجوار للاقليم ودور المركز في التصدي للتهديد الخارجي ورؤيته حول القضية الكردية وحقوق الشعب الكردي في الدول التي تقتسم كردستان من الناحية الدستورية ومن منظور القانون الدولي في العراق الجديد وبالأخير مسؤولية القوى المتعددة الجنسيات والأمريكية منها على وجه الخصوص في أمن واستقرار وسيادة العراق واقليمها الكردستاني الفدرالي التي تحتل العراق حسب قرار مجلس الأمن الدولي وتتكفل سلامته أرضا وشعبا.

الصورة (احدى جلسات الحلقة الدراسية)

  الثاني – من حيث أهمية التجربة الفتية الواعدة في اقليم كردستان بجوانبها المتعددة  من قومية حيث تم انجاز الحل الفدرالي الذي اختاره شعب كردستان بكل مكوناته من كرد وتركمان وكلدان وآشوريين وعرب منذ بداية تسعينات القرن الماضي عبر الاقتراع والارادة الحرة والذي تبناه دستور العراق الجديد بعد اسقاط الدكتاتورية والانجاز التاريخي الذي تحقق يؤسس لسابقة نموذجية في كيفية انجاز الحل السلمي الديموقراطي للقضية الكردية في بلدان المنطقة بالطريقة المناسبة لكل حالة وحسب خصوصياتها وتوافق مكوناتها ولاشك أن تحقيق الاقليم الفدرالي في كردستان العراق بفضل تفاني شعبه على هدي نهج البارزاني الخالد ووحدة قواه السياسية ووعي قيادته المجربة قد أضاف أسبابا أخرى لتعزيز مكانة الاقليم في الحركة القومية الكردستانية خارج العراق وتأهله للقيام بدور المركز القومي الديموقراطي المستحوذ على احترام وتقدير مختلف الأطراف , ووطنية عراقية باحلال السلام والوئام بين المركز واقليم كردستان ووقف السياسات الشوفينية والأعمال العسكرية والتعبئة العنصرية والتحريض القومي التي كانت تتبعها وتمارسها الأنظمة والحكومات المتعاقبة على العراق لأن الحل الفدرالي أوقف النزيف في الجرح العراقي الذي سال طويلا وتسبب  الآلام والكوارث والحروب والاقتتال ومنح العراقيين شرف التوافق على حل وطني ديموقراطي وللمرة الأولى في العراق والمنطقة للقضية الكردية الذي سيعزز الوحدة الوطنية وعلاقات الصداقة والعيش المشترك بين الكرد والعرب وسائر المكونات والأطياف الأخرى , واقليمية باعتبار صمود وتطور التجربة الكردستانية كاحدى نتائج عملية التغيير الديموقراطي المنشودة من جانب شعوب منطقة الشرق الأوسط  بل ووجهها المشرق في مجالات السلم الأهلي  والاستقرار والبناء والحريات العامة والاقتصاد الحر والتنمية ومجانية التعليم والتربية والصحة والمصالحة الوطنية والتسامح الديني والمذهبي والتآخي القومي والانفتاح وقبول الآخر وحرية المرأة وتعزيز وتوسيع البنية التحتية للمجتمع المدني واحترام القضاء والقانون والمعتقدات ,هذه المكتسبات والأجندة لم تعد شعوبنا في معظم بلدان المنطقة تتنعم بها وتتمنى تحقيقها  ودولية حيث ارتقت التجربة الكردستانية الى درجة الاسهام الفعلي في تحرير العراق من الدكتاتورية والمشاركة العملية المتواصلة في محاربة الارهاب وتتويج مسيرتها القصيرة زمنيا في مكانة بارزة لتتحول وباعتراف قادة المجتمع الدولي والقوى العظمى والأمم المتحدة الى احدى الأمثلة البارزة والمعبرة لنهوض شعب مكافح صبورعانى الأمرين لعقود طويلة وانطلق بعد تحرره من الدكتاتورية سباقا في مجال التنمية والاستقرار والعملية الديموقراطية في بداية القرن الجديد معتمدا بشكل أساسي على جهوده الذاتية.


  الثالث – من حيث العلاقة الجدلية المتشابكة بين مهمة صيانة تجربة الاقليم ومسألة الأمن القومي الكردستاني في مداه الأوسع بما يتعلق بالنضال السلمي الديموقراطي لفصائل قوى التحرر القومي في اطار انتزاع الحقوق القومية المشروعة حسب مبدأ حق تقرير المصير في جميع ساحاتها فقد مالت الغالبية الى جانب قراءة الموضوع ككل لايتجزء واعتبار الأمرين كصنوين لاينفصمان مع منح الأولوية لصيانة التجربة التي تصب في مجرى ترسيخ قاعدة الأمن القومي بشكل مباشر بما يضمن مسألة السلم والاستقرار ويؤسس لحل القضية الكردية في بلدان تواجدها عبر الحوار والتوافق الوطني بين ممثلي الشعوب والمكونات من قوى الديموقراطية والتغيير والدعوة الى بناء استراتيجية قومية تجسد مصالح وحقوق كل الأجزاء والأطياف على ضوء برنامج كردستاني للسلام والتعايش لتنظيم شكل العلاقة بين سائر مكونات وقوى العمل الوطني الكردي في جوار العراق والشتات في اطار دستوري العراق الفدرالي واقليم كردستان وحسب القوانين وبصورة شفافة واعتبار اسلوب الكفاح المسلح الذي كان متبعا من جانب العديد من فصائل الحركة التحررية الكردستانية في السابق ومازال البعض القليل مثل (ب ك ك) يتبعه قد أصبح بشكله المتبع والراهن من الماضي لأنه يلحق الضرر بالقضية الكردية وبتجربة الاقليم مع المطالبة بضرورة مراعاة ظروف الاقليم ومن ضمنها عدم قيام أية جهة بممارسة العنف والهجمات العسكرية ضد دول الجوار انطلاقا من أراضي الاقليم كما أكد البعض على توفر عناصر جديدة ايجابية في العلاقات القومية الكردستانية  ذات طابع دولي أساسا لن تتعزز في حال عدم ادراك مغبة وخطورة نتائج أسلوب العنف المسلح من جانب النخب الكردستانية وركز البعض على خصوصية التجارب القومية في أجزاء كردستان من حيث أساليب النضال والأهداف والبرامج وحتى الجانب الثقافي ودرجات الوعي معتبرا رجحان الكفة لمصلحة الوطني على حساب القومي في النضال الديموقراطي الذي تخوضه الحركة الكردية في بلدانها من جهة أخرى ساد نوع من التوافق حول قراءة الحالة الحزبية المزرية في الحركة الكردية في ايران وتركيا وسورية (باستثناء كردستان العراق لأن الوضع مختلف حيث الأحزاب الرئيسية متحدة وتقود السلطة)  من تشتت وانقسامات وصراعات بحيث أفرغت تلك الحالة معظم الأحزاب من مضامينها النضالية وأبعدتها عن مواقع المسؤولية التاريخية مما حتمت الحاجة الى البحث عن بدائل من بين الأوساط الشعبية والأجيال الجديدة وفئات المثقفين والمرأة وبالاستفادة من دروس تاريخ الماضي وحكمة المجربين من القادة المناضلين الحريصين على التجديد والتطوير  لبناء حركات جديدة تجسد ارادة الأغلبية وتتماشى مع موجبات المرحلة الراهنة من التطور السياسي والثقافي والاجتماعي وفي مايتعلق بالادارة السياسية لمؤسسات الاقليم بخصوص العلاقة مع الجوار تم طرح أفكار ومقترحات عديدة غالبيتها تدعو الى اعادة النظر في طبيعة العلاقات السابقة السلبية في بعض أوجهها مع أنظمة الجوار وتوسيعها لتشمل الحركات السياسية والثقافية الكردية والحركات الديموقراطية الوطنية في تلك البلدان ومؤسسات المجتمع المدني.
  الرابع – من حيث المتابعة البحثية التحليلية لتطوير الفكر القومي الكردي بعمقه الانساني الديموقراطي المنفتح على الشريك الوطني العربي والتركي والفارسي وشركاء فعليين آخرين ليس بيدهم السلطة أو مستبعدين مثل الكرد ومعالجة المعوقات التي تعترض استكمال شروط تطويره ونهوضه وتنقيته من الشوائب مثل التطرف والمبالغة ونزعة معاداة الأقوام الأخرى ومواجهة تحديات الأزمات ذات الطابع الثقافي والمعرفي والسياسي والتاريخي التي تظهر بين الحين والآخر على الصعيدين الداخلي والخارجي وخاصة ما تظهر من حوارات عقيمة وعصبية وعصبوية في منابر اعلامية ومواقع ومستويات مختلفة بين النخب الكردية من جهة ومثقفي الشعوب الشريكة  ليس الذين يعبرون عن الموقف الرسمي السائد لأنظمة الاستبداد الشوفيني  فحسب بل نخب الأحزاب والحركات الوطنية المعارضة التي تهدف التغيير والاصلاح لذلك ارتؤي مواصلة الحوار عبر مختلف المنابر والمؤسسات وعقد الندوات الدورية لاستشراف المستقبل ووضع احتمالات استباقية قبل وقوع الحدث وتناوله درسا وتحليلا ونتائج كل ذلك يقع على عاتق الفئات المثقفة والأكاديمية والجامعات وأصحاب الاختصاص والمؤسسات العلمية والثقافية ومن شأن مثل تلك الدراسات التحليلية حول الشأن القومي وتجارب حركة التحرر القومي الكردية منذ ما يقارب القرن المتوجة الآن بالاقليم الفدرالي واستخلاصاتها تزويد مصادر ودوائر القرار والحركات السياسية بالمعلومات والاحتمالات والخيارات ذات المنفعة القومية والوطنية العامة وفي هذا المجال نالت رابطة كاوا مجددا تقدير المشاركين .

 

  * – المشرف العام على رابطة كاوا للثقافة الكردية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي أصبحت القضية الكردية في سوريا اختباراً حقيقياً لفكرة الدولة السورية الحديثة، ليس على المستوى الوطني والإقليمي فحسب، بل حتى على المستوى الدولي: هل يمكن بناء وطن مستقر يقوم على الاعتراف بالتنوع، أم أن الإنكار سيبقى أساس العلاقة بين الدولة ومكوناتها؟ على مدى عقود، عانى الشعب الكردي في سوريا من سياسات التهميش والتمييز، بدءاً من الإحصاء الاستثنائي عام…

هژار أمين يُشكل انسحاب حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ومن يدور في فلكه من حلفاء ومحسوبين، من العملية الانتخابية المتعلقة بمجلس الشعب السوري، لحظةً كاشفةً بامتياز، لا يمكن اختزال هذا الموقف في “مقاطعة انتخابية” وهو التوصيف الذي يروّج له الحزب بل ينبغي تشريحه بصفته إخفاقاً بنيوياً في مواجهة استحقاق جماهيري مباشر، إنه ليس انسحاباً تكتيكياً، بل هو انكفاء اضطراري فرضه العجز…

د. محمود عباس القادم أظلم، ليس لأن الخصوم أقوى فقط، بل لأن الأرضية التي تسمح لهم بالتمدد صارت جاهزة. فالإدماج الذي يُسوَّق اليوم بوصفه تسوية سياسية لن يحتاج إلى سنوات كي يكشف حقيقته؛ سيذوب مع الشهور، وعلى مراحل مدروسة. الحكومة السورية الانتقالية، والقوى الإقليمية الداعمة لها، لن تكتفي بتهميش المحافظ الكوردي الوحيد، بل ستتجه لاحقًا إلى الألوية العسكرية الثلاثة، وإلى…

عبدالجبار شاهين في سياقٍ طويل من التضليل المنهجي الذي مارسته المنظومة الآبوجية بوصفها بنية أيديولوجية مغلقة، يمكن القول إن احتكارها للإعلام الحزبي الموجَّه لم يكن يوماً فعلاً عفوياً أو نتاجَ قناعة فكرية حرة، بل كان أداة مدروسة للسيطرة على العواطف قبل العقول، عبر بثٍ متواصل للأكاذيب والاضاليل، يُعاد تدويرها بمهارة دعائية تهدف إلى دفع الشباب والشابات نحو مسارات محددة سلفاً،…