الكورد بين الزكام الثقافي والركام السياسي

عنايت ديكو
المثقف لا تصنعه الاجتماعات والمؤتمرات والمظاهر البرّاقة، بل تصنعه المواقف، وتُنجبه المبادئ.
المثقف هو ذاك العنقاء الذي يخرج من بين الزحام والآلام، حاملاً مشروعه الوجودي بين يديه.
نعم … قد يخطئ المثقف، لأنه بشر، يأكل ويشرب، لكنه لا يخون عمداً، ولا يؤجر مساحات الوعي، ولا يبيع أركان ضميره، ولا ينكر معروفاً.
فيبقى وفياً لقضية الانسان، صادقاً في مشاعره، ثابتاً على مبادئه ومواقفه، مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأيام.
فالمثقف شخصٌ نادرُ الهوية، حضوره أمان، وكلامه طمأنينة، وغيابه فراغٌ قد لا يُعوَّض.
يفرض احترامه، ويحترم القيم الحضارية والإنسانية، مهما تباعدت المسافات والجغرافيات بينه وبين الآخرين من الفرق والكتلُ والأشكال الهندسية والحزبية والسياسية.
فالمثقف يصون الجميل، ولا ينتظر مقابله شيئاً. ولا يقيس علاقاته بالمصلحة والزكام السياسي، ولا يتغير بتغير الأحوال والانقلابات العسكرية؛ لأن أصالته جزءٌ من أخلاقه، وليست مجرد صفة عابرة.
قد يخسر المثقف الكثير، لأنه يختار الصدق في زمن كثرت فيه العناوين، وكتبة التقارير الإلكترونية، وتكاثر الفيروسات والموانع والأقنعة. لكنه، في النهاية، يكسب أغلى ما يمكن أن يملكه الإنسان: ضمير التاريخ، وراحة الوجود.
ولذلك … فإن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس جهل الجاهل، بل صمت المثقف، لأن الجاهل لا يدّعي امتلاك النور، أما المثقف، إذا صمت، فقد ترك الظلام يتحدث باسمه.
المثقف ليس مهنة … ولا شهادة … ولا لقباً أكاديمياً … بل مسؤولية وجودية.
فالمثقف هو ذاك الإنسان الذي يحمل في داخله محكمة ″سقراط″ لا تغلق أبوابها قط … وقاضياً لا يقبل الرشوة … وضميراً لا يعرف التقادم. وكلما اشتدت العتمة، ازداد إيمانه بأن قيمة الشمعة لا تُقاس بحجمها، بل بقدرتها على مقاومة الدجى.
———

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…