شادي حاجي
ورقة رؤية استراتيجية لبناء النفوذ الكردي داخل الديمقراطيات الغربية
بعد عقود من الهجرة والاستقرار في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، لم يعد السؤال: كم يبلغ عدد الكرد في المهجر؟ بل: لماذا ما يزال تأثيرهم السياسي والفكري أقل بكثير من حجمهم الحقيقي؟
لا تهدف هذه الورقة إلى نقد واقع الجاليات الكردية فحسب، بل إلى طرح رؤية عملية لكيفية تحويل الطاقات البشرية الكردية إلى قوة ناعمة مؤثرة داخل الدول الديمقراطية، بما يخدم الأجيال القادمة والقضايا العادلة عبر الوسائل السياسية والقانونية والمؤسسية.
أولاً: من الجالية إلى القوة المنظمة
يعيش الكرد اليوم في أكثر المجتمعات انفتاحاً وحرية، ويتمتعون بحقوق سياسية ومدنية حُرموا منها طويلاً في بلدانهم الأصلية. وقد حققوا نجاحات فردية لافتة في الطب والهندسة والقانون والاقتصاد والتعليم والأعمال، إلا أن هذه النجاحات ما تزال في معظمها إنجازات فردية لم تتحول إلى نفوذ جماعي مستدام.
وخلال العقود الماضية، استُهلك جزء كبير من الجهد الكردي في النشاط التقليدي والخلافات الحزبية، بينما كانت جاليات أخرى تؤسس مراكز أبحاث، وشبكات أكاديمية، ومؤسسات مدنية، وجماعات ضغط (لوبي) استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً دائماً في دوائر صنع القرار.
كما استُنزفت طاقات شبابية كبيرة داخل أطر تنظيمية وثقافية واجتماعية محدودة التأثير، في حين كان الأولى توجيهها نحو الجامعات، ومراكز الدراسات، والمؤسسات الإعلامية، والقانونية، والسياسية، حيث يُصنع النفوذ الحقيقي.
ثانياً: المؤتمرات… من المناسبات إلى المؤسسات
لا خلاف على أهمية المؤتمرات والملتقيات الكردية، لكن نجاحها لا يقاس بعدد الحضور أو الصور الجماعية أو البيانات الختامية، وإنما بقدرتها على إنتاج قرارات قابلة للتنفيذ، وآليات متابعة واضحة، ومؤسسات تستمر بعد انتهاء المؤتمر.
كما أن اختيار المشاركين يجب أن يقوم على الكفاءة والخبرة والتمثيل الحقيقي للمؤسسات، لا على العلاقات الشخصية أو المحاصصات التنظيمية. ولا تقل الشفافية المالية والإدارية أهمية عن جودة النقاش، لأن الثقة هي أساس أي عمل مؤسسي ناجح.
ثالثاً: الاستثمار الحقيقي هو الإنسان
اليوم يدرس آلاف الشباب الكرد في جامعات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والسويد وهولندا وكندا والولايات المتحدة تخصصات القانون، والعلوم السياسية، والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والإعلام، والذكاء الاصطناعي، والطب، والهندسة. هؤلاء يمثلون رأس المال الاستراتيجي الحقيقي للأمة الكردية.
لكن ما يزال الاستثمار في هذه الطاقات محدوداً. فلا توجد شبكة كردية عالمية فاعلة للطلبة، ولا قاعدة بيانات للكفاءات، ولا برامج منظمة لإعداد قيادات شابة للعمل في الجامعات، ومراكز الدراسات، والمؤسسات القانونية، والإعلامية، أو في الأحزاب السياسية بدول الإقامة.
ولا يقل أهمية عن ذلك تشجيع الشباب الكردي على الانخراط المبكر في الأحزاب السياسية في الدول التي يعيشون فيها، والمشاركة في الانتخابات الداخلية للأحزاب، والانتخابات البلدية،أو انتخابات الولايات والمقاطعات، والانتخابات البرلمانية الوطنية، بحسب النظام السياسي في كل دولة. فالتأثير لا يتحقق بمجرد التعاطف مع القضايا، بل بالمشاركة الفعلية في صناعة القرار من داخل المؤسسات الديمقراطية.
كما ينبغي توجيه الشباب نحو النقابات المهنية، واتحادات الطلبة، وغرف التجارة والصناعة، والجمعيات المهنية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمجالس المحلية والاستشارية، لأنها تشكل مدارس لإعداد القيادات، وبناء شبكات العلاقات، واكتساب الخبرة والثقة، وتمهد للوصول إلى مواقع المسؤولية العامة.
رابعاً: بناء النفوذ لا بناء الهياكل
في السياسة الحديثة، لا تصنع المستقبل الاجتماعات الكثيرة ولا البيانات المتكررة، وإنما تصنعه الجامعات، ومراكز الأبحاث، والأحزاب، والبرلمانات، والنقابات، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني. ومن لا يملك حضوراً في هذه المؤسسات سيظل متلقياً للقرارات، لا شريكاً في صناعتها.
ومن هنا، فإن أي مؤتمر كردي ينبغي أن ينتهي بخطة عمل واضحة، وجدول زمني، ومسؤوليات محددة، وتقارير دورية لتقييم الإنجاز، لا بمجرد إعلان ختامي. فالمساءلة والمتابعة هما أساس نجاح أي مشروع مؤسسي.
خامساً: خارطة طريق للمستقبل
إذا أراد الكرد في المهجر بناء نفوذ مستدام، فإن الأولويات ينبغي أن تتمثل في:
أولاً: تأسيس شبكة كردية دولية للطلبة والباحثين، توفر التدريب، والتوجيه، والتأهيل القيادي، وتربط الكفاءات الكردية حول العالم.
ثانياً: إنشاء مجلس أكاديمي كردي عالمي يضم الباحثين وأساتذة الجامعات والخبراء لإنتاج الدراسات المتعلقة بالقضية الكردية، والسياسات العامة، وحقوق الإنسان.
ثالثاً: تشجيع الكفاءات الشابة على الانخراط في الأحزاب السياسية، والمشاركة في مختلف مستويات الانتخابات، والعمل في مكاتب النواب، والهيئات الاستشارية، والإدارات العامة، ومراكز الفكر، ووسائل الإعلام المؤثرة.
رابعاً: تعزيز حضور الشباب الكردي في النقابات المهنية، واتحادات الطلبة، وغرف التجارة، والمؤسسات المدنية، باعتبارها مسارات أساسية لبناء القيادات وتوسيع النفوذ داخل المجتمعات الديمقراطية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي التوقف عن نقل الانقسامات والصراعات الحزبية الكردية من الوطن إلى المهجر، لأنها تستهلك الطاقات، وتعيق بناء مؤسسات مستقلة، وتبدد فرص الأجيال القادمة.
الخاتمة
لقد أثبت الكرد قدرتهم على النجاح الفردي في المهجر، لكن النجاح الفردي وحده لا يصنع نفوذاً جماعياً. فالنفوذ يولد عندما تتحول الكفاءات إلى شبكة مؤسسات، والمعرفة إلى سياسات، والنجاح الشخصي إلى حضور دائم داخل دوائر صنع القرار.
إن معركة الكرد في القرن الحادي والعشرين لن تُحسم بعدد الاجتماعات أو المؤتمرات أو البيانات، بل بعدد الباحثين، والأكاديميين، والقانونيين، والصحفيين، والمنتخبين، والقيادات الشابة التي تصل إلى الجامعات، والأحزاب، والبرلمانات، والنقابات، والإدارات العامة، ومؤسسات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية.
إن بناء النفوذ لا يتحقق بالصدفة، ولا بالشعارات، بل برؤية طويلة المدى، واستثمار منظم في الإنسان والمؤسسات. وإذا نجح الكرد في المهجر في تحويل طاقاتهم العلمية والمهنية والشبابية إلى مشروع مؤسسي متكامل، فلن يكونوا مجرد جاليات ناجحة في بلدان الإقامة، بل شركاء مؤثرين في صناعة السياسات، وقوة ناعمة قادرة على الدفاع عن الحقوق، وتعزيز الحضور الكردي في العالم لعقود قادمة.
فالنفوذ لا يُورث، بل يُبنى.