إلى العرب لا تجعلوا أنفسكم وقودًا لتركيا وإيران

د. محمود عباس

إلى دول الخليج، وإلى العشائر العربية في سوريا والعراق: انتبهوا قبل أن تلتهمكم النار التي يُراد إشعالها باسمكم. من يدفع بعضكم اليوم إلى محاربة الكورد لا يحمي العرب ولا سوريا، بل يستخدم الدم العربي وقودًا لمشروعين إقليميين يتنافسان على إخضاع المنطقة: المشروع التركي والمشروع الإيراني.

لا تمنحوا داعش اسم العشيرة، ولا تمنحوا مرتزقة تركيا غطاء العروبة. فالخيام التي تُنصب اليوم في الحسكة للتحريض على الكورد وقوات قسد ليست بريئة من سياقها؛ إنها محاولة لزرع فتنة عربية–كوردية، تبدأ بطرد الكورد وتنتهي بتحويل العشائر نفسها إلى أدوات تُستهلك ثم تُرمى. ومن يصفق اليوم لإضعاف الكورد قد يستيقظ غدًا ليجد النفوذ التركي أو الإيراني قد ابتلع قراره وأرضه ومستقبل أبنائه.

تركيا وإيران لا تريدان دولًا عربية قوية، ولا عشائر مستقلة القرار، ولا سوريا مستقرة تعود إلى محيطها العربي. تريدان منطقة ممزقة: عربًا يحاربون الكورد، وكوردًا يستنزفون في الدفاع عن وجودهم، وسوريين وعراقيين يتقاتلون، بينما تتقاسم أنقرة وطهران الأرض والنفوذ والثروات.

لا تنخدعوا بصراعهما المعلن. فتركيا وإيران خصمان على الغنائم، لكنهما شريكان عند محاربة الكورد وإضعاف العرب. تتنازعان على سوريا والعراق والخليج، ثم تلتقيان كلما ظهرت قوة كوردية أو عربية قادرة على تعطيل تمددهما. تختلف الرايات والمذاهب، لكن الغاية واحدة: شعوب ضعيفة، ودول تابعة، وكوردستان مقسمة، ومجال عربي خاضع لنفوذهما.

من الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، مرورًا بالأنظمة العلمانية، وصولًا إلى سلطتي الإسلام السياسي السُّني والشيعي، تبدلت الشعارات ولم يتبدل جوهر السياسة. تاريخ الدولتين مثقل بالحروب، لكنهما استطاعتا في اللحظات الحاسمة تجاوز خصومتهما والالتقاء على منع الكورد من امتلاك كيانهم، وإبقاء العرب محاصرين بين ميليشيات إيران ومرتزقة تركيا.

هذا تحذير، لا مجاملة سياسية: إذا نجحت أنقرة وطهران في إشعال الحرب بين العرب والكورد، فلن ينتصر العرب ولن يُهزم الكورد وحدهم؛ ستنهار سوريا أكثر، ويُستكمل ابتلاع العراق، ويقترب الخطر من الخليج. عندها لن يكون السؤال من بدأ الفتنة، بل لماذا لم يوقفها من رأى النار وهي تُشعل أمام عينيه؟

بعد قمة الناتو الأخيرة في أنقرة، وافق أردوغان نظريًا على عدم مساعدة إيران وأدواتها، بالتزامن مع إعادة فتح باب حصول تركيا على مقاتلات «F-35». لكن الوقائع تطرح سؤالًا أخطر: هل توقفت أنقرة فعلًا عن خدمة المصالح الإيرانية، أم انتقلت إلى خدمتها بأسلوب غير مباشر؟

بدل مساندة طهران علنًا، تعمل تركيا على إشعال الساحة السورية من الداخل، مستعينةً بالفصائل التابعة لها، وبعناصر متطرفة وخلايا داعشية تحاول الاختباء خلف أسماء بعض العشائر العربية. وما يجري في المناطق الكوردية، من نصب الخيام والتحريض على قسد والإدارة الذاتية والدعوة إلى طرد الكورد، لا يمكن فصله عن محاولة خلق فتنة عربية–كوردية تستنزف الطرفين وتمنح أنقرة وطهران وحدهما فرصة توسيع نفوذهما.

أنقرة لا تريد لدمشق الجديدة أن تتجه نحو محيطها العربي، أو أن تنخرط بفاعلية في تحالف يواجه حزب الله والحشد الشعبي وبقية أدوات إيران. فهي تدرك أن إضعاف طهران قد يفتح المجال أمام نهوض الحراك الكوردي في شرقي كوردستان، مثلما أتاح انهيار السلطة المركزية في سوريا بروز القوة الكوردية في غربي كوردستان. لذلك تحاول إغراق السلطة الانتقالية في نزاع داخلي مع الكورد، وإشغالها عن مواجهة النفوذ الإيراني، وربط أمنها وقرارها بأنقرة بدل إعادة سوريا إلى مجالها العربي.

بهذا المعنى، تخدم تركيا إيران وهي تزعم مواجهتها. تشعل أنقرة الفتنة في الجزيرة، فتربح طهران وقتًا لحماية أدواتها. ويُستدرج بعض أبناء العشائر إلى معركة ضد الكورد، بينما يبقى حزب الله والحشد الشعبي وشبكات النفوذ الإيراني خارج دائرة المواجهة الفعلية. إنها عملية تغيير لاتجاه البندقية: بدل أن تتجه نحو القوى التي دمّرت سوريا والعراق وهددت الخليج، تُوجَّه إلى الشعب الكوردي الذي قاتل داعش ودفع آلاف الضحايا دفاعًا عن المنطقة والعالم.

وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين العشائر العربية الأصيلة وبين العناصر الداعشية والمرتزقة التي تتستر بأسمائها. فالعشائر جزء أساسي من نسيج الجزيرة، ومصلحتها ليست في التحول إلى وقود للمخططين في أنقرة وطهران. من يدفعها إلى حرب مع جيرانها الكورد لا يدافع عن العرب؛ بل يستخدم دماءهم لتوسيع النفوذ التركي والإيراني وإدامة خراب سوريا.

عمليًا، تتنافس تركيا وإيران على إخضاع المجال العربي لنفوذهما، وإن اختلفت أدواتهما. تستخدم إيران الميليشيات المذهبية، وتستخدم تركيا الفصائل والمرتزقة والتحريض القومي والديني. الأولى ترفع شعار «المقاومة»، والثانية ترفع شعار «الأمن القومي»، لكن النتيجة واحدة: دول عربية ضعيفة، ومجتمعات منقسمة، وكورد محرومون من حقوقهم، وحدود مفتوحة أمام التدخل الخارجي.

لهذا ينبغي لدول الخليج والقوى العربية والعشائر في سوريا والعراق أن تدرك أن الحراك الكوردي ليس عدوها، بل حليفها الطبيعي في مواجهة مشروعي الهيمنة التركية والإيرانية. فإضعاف الكورد لا يقوي العرب؛ بل يزيل أحد أهم الحواجز أمام تمدد أنقرة وطهران. أما جرّ العشائر إلى مواجهة الكورد، فيحوّلها من قوة اجتماعية أصيلة إلى أدوات تُستعمل ثم تُهمَل بعد انتهاء مهمتها.

المعركة الحقيقية ليست بين العربي والكوردي، بل بين شعوب المنطقة التي تريد الحرية، ودولتين تعملان على تمزيقها وإبقائها ساحات نفوذ. وكل عربي يُدفع اليوم إلى محاربة الكورد يخدم، من حيث يدري أو لا يدري، المشروعين التركي والإيراني معًا.

قد تتصارع أنقرة وطهران على الغنائم، لكنهما تتفقان على منع أصحاب الأرض من امتلاك القرار. ومن لا يدرك هذه الحقيقة اليوم، قد يستيقظ غدًا ليكتشف أن الفتنة بدأت ضد الكورد، لكنها انتهت بإخضاع الجميع.

وقبل أن تنجرّ العشائر العربية إلى فتنة جديدة، وقبل أن تطمئن دول الخليج إلى وعود أنقرة وشعارات طهران، عليها أن تسأل:

من موّل حزب الله وسلّحه وحوّله إلى دولة داخل الدولة اللبنانية؟ ومن بنى نفوذه داخل فصائل الحشد الشعبي، ودعم الحوثيين بالصواريخ والمسيّرات والخبرات حتى أصبحوا تهديدًا لليمن والخليج والممرات البحرية؟ أليست إيران التي تزعم الدفاع عن شعوب المنطقة، بينما تبني داخل دولها جيوشًا تدين بالولاء لها؟

ومن جعل الحدود التركية–السورية الممر الأوسع لآلاف المتطرفين القادمين من عشرات الدول للالتحاق بداعش والتنظيمات الجهادية؟ وكيف وصلوا إلى المطارات التركية، ثم عبروا مدنها وحدودها إلى سوريا والعراق، وأين أقاموا وتدرّبوا وتلقوا السلاح قبل دخولهم ساحات القتال؟ وهل كان تدفق هذا العدد الهائل ممكنًا من دون تساهل أجهزة دولة تراقب حدودها ومطاراتها بدقة؟

ومن ساعد على تهيئة المناخ الذي مكّن داعش من التمدد في الموصل والأنبار وسوريا؟ ومن سلّح جماعات إسلامية داخل الأراضي السورية، قبل أن تتداخل الأسلحة والمقاتلون والرايات وتتحول الحدود إلى بوابة مفتوحة للفوضى؟

ومن ذبح أبناء عشيرة البونمر في الأنبار عام 2014 لأنهم رفضوا الخضوع لداعش؟ ومن قتل المئات من أبناء عشيرة الشعيطات في دير الزور للسبب نفسه؟ ألم تكن العشائر العربية نفسها من أوائل ضحايا التنظيم عندما رفضت الانضمام إليه؟ فلماذا يُراد لبعضها اليوم أن تمنح خلاياه غطاءً عشائريًا جديدًا، وأن تُستخدم ضد الكورد الذين قاتلوه؟

ولماذا أُحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة بتلك الوحشية عام 2015، بينما عاد دبلوماسيو القنصلية التركية في الموصل سالمين بعد أشهر من احتجازهم، في عملية بقيت تفاصيلها وصفقاتها المحتملة غامضة؟ ولماذا عامل داعش تركيا بصورة مختلفة عن الدول التي أعلن الحرب عليها؟

هذه الأسئلة ليست اتهامات عاطفية، بل إنذار للعشائر العربية ولدول الخليج: لا تسمحوا بإعادة تدوير داعش تحت اسم العشيرة، ولا تجعلوا أبناءكم وقودًا لمشروع تركي–إيراني يبدأ بمحاربة الكورد، ثم ينتهي بإضعاف العرب وإخضاع قرارهم.

اسألوا من المستفيد قبل أن تُرفع البندقية، ومن يموّل قبل أن تُنصب الخيمة، ومن يحرّض قبل أن يسيل الدم. فالدولتان اللتان تستخدمان العرب اليوم ضد الكورد لن تترددا غدًا في استخدام الكورد أو غيرهم ضد العرب؛ لأن غايتهما ليست نصرة شعب أو مذهب، بل إبقاء الجميع ضعفاء تحت نفوذهما.

قد تتصارع أنقرة وطهران على الغنائم، لكنهما تتفقان على منع أصحاب الأرض من امتلاك القرار. ومن لا يدرك هذه الحقيقة اليوم، قد يستيقظ غدًا ليكتشف أن الفتنة بدأت ضد الكورد، لكنها انتهت بإخضاع الجميع.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

24/7/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…