قفزة الانتفاضة الوطنية في إيران وتنهّدات الحكومة

نظام مير محمدي 

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني 
في العشر الأخير من شهر سبتمبر وبدایة أكتوبر، تسارعت حراکات الانتفاضة التي عمّت البلاد و170 مدينة إيرانية وتردّدت بشعارات قوية ضد رأس الحكم، وعلى وجه التحديد خامنئي باعتباره زعیم النظام. انتفاضة هذه المرّة تجاوزت الانتفاضات السابقة ودخلت مرحلة جديدة. مع استمرار هذه الانتفاضة نشهد تطورات كبيرة جداً في الجغرافيا السياسية لإيران، بحيث عمّت الانتفاضة  جمیع مناطق إیران من شمالها إلى جنوبها وشرقها وغربها. القمع الدموي لأهلنا في زاهدان المظلوم وقتل النساء والأطفال شرقي إيران یظهر انتشار الانتفاضة من جهة وخوف النظام من الثورة من جهة أخرى. من خلال التفكير في العناصر المكوّنة أو الفعّالة للانتفاضة، یجب تغيير التوصیفات المعتادة لـ “الانتفاضة” و “الانتفاضة الوطنية” بطريقة واضحة، مما يسمح لنا باستخدام كلمة “ثورة” لوصف هذه التطورات السريعة في إيران .
وفيما يتعلق بتوسيع واستمرار وتعميق هذه الانتفاضة في يومها السابع عشر، وخاصة الدور القيادي والبارز للنساء فیها، فإننا نشهد أيضًا قفزتين مذهلتين أخريين:
1: خلافا للإطار الزمني للانتفاضات الماضية، والتي كانت تبدأ عادة في الساعات الأولى من المساء واستمرّت حتى منتصف الليل، هذه المرّة بدأت الانتفاضة في العديد من المدن في وضح النهار واستمرت بأشكال مختلفة طوال الليل في معظم المدن والمحافظات. الآن اجتاحت نيران الانتفاضة 170 مدينة ولم يعد نطاقها يعرف حدود الليل والنهار، وعلى مدار 24 ساعة تشغل حکومة‌ الملالي وقواتها القمعية. وصول عنصر الهجوم الراديكالي والدفاع المتبادل في بعض المدن علی وجه الخصوص أدّیا بالانتفاضة الوطنية إلى هذه المرحلة الجديدة. 
2. الانتفاضة الوطنية مدعومة بسلسلة من الإضرابات، وهي شرط ضروري ومتكامل للانتفاضة الوطنية وإسقاط النظام. في اليوم السادس عشر من الانتفاضة، وبالتوازي مع الإضراب العام والانتفاضة في المدن، بدأ طلاب الجامعات مظاهرات وإضرابات في معظم جامعات إيران. وفي اليوم السابع عشر، كان دور الاحتجاجات الطلابية في جامعة الشريف الصناعیة دور مميز وخاص. في هذا الصدد، تغريدة السيدة مريم رجوي تقول:
«أناشد الشباب الأحرار في طهران أن یهبّوا لمساعدة طلاب جامعة‌ شریف. انتفاضة الطلّاب زرعت الخوف في قلوب العدوّ. فقام باعتقال عدد کبیر من طلاب هذه الجامعة، کما قام بفرض الطوق علیها. فعلیکم بإفشال خطّة النظام بفعل التضامن بینکم»  
(مریم رجوي (@Maryam_Rajavi_A) / Twitter
 وفي مظاهرات جامعات مختلفة هتف الطلاب “الجامعة تحوّلت إلی سجن إیفین، وطهران اصبحت مركز اعتقال” و “يجب الافراج عن الطلاب المسجونین”. كما أكد طلاب جامعة الرازي في كرمانشاه على استمرار الانتفاضة حتى الإطاحة بنظام الملالي وهتفوا “موعدنا كل يوم، ولیس الیوم فقط”.
وبحسب الوثيقة التي كشفت عنها منظمة العفو الدولية في 8 أكتوبر / تشرين الأول 1401، أُمرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التابعة للنظام بـ “الردّ العنیف” ضد المتمردين في جميع محافظات إيران. بالإضافة إلى ذلك، تم قطع الإنترنت معظم الأوقات وتم حجب شبكات مثل انستاغرام وواتساب، ولكن على الرغم من ذلك، الانتفاضة في جميع أنحاء البلاد آخذة في الارتفاع في شوارع إيران.
وفي مواجهة‌ العنف لایمکن للمواطنین العزّل أن یبقوا دون دفاع. إذن إنهم أیضاً یدافعون عن أنفسهم- وهذا حقّهم بناءا جمیع القوانین الأرضیة‌والسماویة-  کما فعلوا في مدینة‌ زاهدان حیث استهدفوا رئیس استخبارات الحرس في ونائبه اللذین کانا برتبة‌عقید و کذلک عدد آخرین من القوات القمعیة التي قتلت أکثر من خمسین من المواطنین البلوتش. 
في إشارة إلى الطبيعة الوطنیة‌الشاملة للانتفاضة واستمرارها، على النظام أن يحضر الملالي الحكومیین الواحد تلو الآخر إلى البرنامج التلفزيوني. علی سبیل المثال عبر أحد ملالي الحكومة ويدعى غريب رضا عن قلقه من انتشار الانتفاضة على النحو التالي: “لقد خلقوا تركيزًا للمطالب السلبية والطاقة السلبية في المجتمع وفقًا لخطة حتى يتمكن هذا التركيز من الغضب الاجتماعي والغضب. يتم استغلالهم في أوقات الفوضى الاجتماعية. “ولكي يتم استغلالهم ، فإنهم في الواقع أشعلوا نار التحضير للانفجار”. (الشبکة‌الأولی لتلفزیون النظام -الأول من اکتوبر).
وأعرب الملّا دجكام، إمام الجمعة مدینة شيراز المنصوب من قبل خامنئي، عن قلقه من الانتفاضة وسقوط النظام على النحو التالي: “يجب أن یتدخّل القضاء بشکل خاص. لا نستطيع أن نقول إن بعض الناس جلسوا بأداة إعلامية وإعلانية ویعملون لزرع التردّد في قلوب الناس ويطلقون مجموعة من الأكاذيب ويدمرون الأجواء الاجتماعية، ومن غير الواقعي أن نقول إنه لا ينبغي لنا أن نفعل شيئًا. ” (قناة فارس التلفزیونیة، الأول من اکتوبر).
تظهر صيحات وتنهدّات الحكومة بوضوح أن حالة الحكم هشّة للغاية في ظل الضربات الساحقة  التي وجّهتها الانتفاضة علیه. إن الظروف الموضوعية والذاتية للثورة وإسقاط النظام أدخلت الانتفاضة في حالة جديدة وحقيقية، وأزالت العراقیل لانتصار الثورة الديمقراطية للشعب الايراني. يمكن القول أن طلائع فجر الحرية في إيران، التي وضعها الطغيان الديني  ودمرها منذ 43 عامًا ، تتلاشى بسرعة. ألیس الصبح بقریب؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…