محمود أوسو
تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة
عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان.
الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً عندما انهارت الجيوش النظامية.
ومع ذلك، يقابل الموقف العربي الرسمي والشعبي المطالب الكردية بالتجاهل، وأحياناً بالعداء المباشر. فما الذي يفسر هذا التناقض؟
المحور الاول :
السبب الجوهري هو بنيوي. كل دولة عربية تتعامل مع القضية الكردية منطلق أمنها الداخلي” وليس من منطلق المعادلة الإقليمية
العراق يرى في أي تعزيز للحكم الذاتي الكردي تهديداً لوحدة الدولة ولسيطرته على كركوك والنفط.
سوريا : تعتبر الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي انفصالاً مرفوضاً يمس سيادتها.
دول الخليج : تخشى من أن يتحول “حق تقرير المصير” إلى سابقة تشجع أقليات أخرى.
النتيجة: تفضيل الحفاظ على “وحدة تراب” الدول المجاورة، حتى لو كانت هذه الدول حليفة لإيران، على دعم مشروع قد يخلق نموذجاً لدولة لا مركزية.
المحور الثاني: عبء التحالفات الدولية للكرد
ارتكب الكرد خطأً استراتيجياً” من وجهة النظر العربية: جعلوا تحالفهم مع الولايات المتحدة علنياً وأساسياً في الحرب ضد داعش.
في السياسة العربية، التحالف مع أمريكا مقبول عندما يكون من “الدولة” ولكن مرفوض عندما يصدر من “قومية”.
إضافة إلى ذلك، العلاقات الأمنية والاقتصادية غير المعلنة بين أربيل وتل أبيب منحت خصوم الكرد ذريعة جاهزة لوصفهم بـ “المشروع الصهيوني”، مما أسقط عنهم أي غطاء شعبي عربي.
المحور الثالث: غياب البعد المصلحي المباشر
السياسة الدولية تحكمها المصالح.
تركيا تقدم للعرب: استثمارات، بوابة تجارية، ملف لاجئين، وغطاء سني.
إيران تقدم: نفط، ميليشيات، وممر استراتيجي.
ماذا يقدم الكرد في المقابل؟ لا يملكون نفطاً كافياً للضغط، ولا سوقاً استهلاكية، ولا قدرة على التأثير في القرار العربي. لذلك تم استبعادهم من معادلة المصالح، رغم دورهم الميداني.
بالمختصر:
الموقف العربي من الكرد ليس ناتجاً عن غباء أو عن جهل بالدور الكردي في مواجهة إيران. هو ناتج عن حسابات باردة:
الخوف من الداخل أهم من الخطر من الخارج، والمصلحة الآنية أهم من التحالف الاستراتيجي بعيد المدى.
وبهذا المنطق، اختار العرب التحالف مع “الخصم الإقليمي الكبير” تركيا وإيران، على حساب “الحليف الميداني الصغير”.
وهو خيار قد يكلف المنطقة غالياً، لأن إضعاف الكرد يعني عملياً فتح الباب أمام تمدد أكبر للنفوذ الإيراني في الفراغ الذي سيتركونه