زيارة الرئيس نجيرفان البرزاني إلى دمشق: قراءة في الأبعاد السياسية والدستورية للقضية الكردية في سوريا

د . مرشد اليوسف
تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة.
ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي في وقت تسعى فيه الأطراف المختلفة إلى الوصول إلى صيغة جديدة للعلاقة بين دمشق والكرد ، بعد سنوات من الصراع العسكري والتحولات الإقليمية.
وتأتي الزيارة في لحظة مفصلية تتسم بعدة متغيرات:
استمرار المفاوضات بين دمشق والكرد .
والضغوط الإقليمية والدولية للوصول إلى تسوية سياسية.
والحاجة إلى صيغة جديدة لإدارة التنوع القومي والإثني داخل سوريا.
والسعي لإنهاء حالة الانقسام الإداري والعسكري ضمن إطار الدولة.
لذلك فإن أي تفاهم يتم التوصل إليه ستكون له آثار بعيدة المدى على مستقبل الدولة السورية.
ويتمحور الحوار، وفق ما أعلنته الأطراف في مناسبات مختلفة وما تتداوله التحليلات السياسية، حول عدد من القضايا الأساسية، من أبرزها:
مستقبل مؤسسات الإدارة الذاتية.
وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية.
والضمانات الدستورية المتعلقة بحقوق الكرد وبقية المكونات.
وتشير المواقف المعلنة إلى أن الحكومة السورية تؤكد على إعادة دمج المؤسسات ضمن الدولة، بينما يركز ممثلو الكرد ، على أن أي ترتيبات نهائية ينبغي أن تترافق مع ضمانات سياسية ودستورية واضحة.
وتُعد الضمانات الدستورية من أكثر الملفات حساسية، إذ يرى العديد من الباحثين أن أي اتفاق طويل الأمد يحتاج إلى نصوص دستورية تنظم العلاقة بين المركز والإدارات المحلية، وتحمي الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للمكونات المختلفة، بما يضمن استقرارها واستمرارها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير نظام الإدارة المحلية بما يتيح صلاحيات أوسع في إدارة الشؤون المحلية، ضمن إطار وحدة الدولة وسيادتها.
وضمن هذا النطاق
يتمتع الرئيس البرزاني بعلاقات سياسية واسعة على المستويين الإقليمي والدولي، كما يمثل شخصية تحظى بثقل سياسي في الساحة الكردية. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تسهم زيارته في تقريب وجهات النظر، وتشجيع الحوار، وتوفير أجواء أكثر ملاءمة للتوصل إلى تفاهمات سياسية، إذا توافرت الإرادة لدى جميع الأطراف.
ومن اجل التفاهم وحل المشكلة يمكن تصور عدة سيناريوهات:
-التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يتضمن ترتيبات دستورية وإدارية جديدة.
-التوصل إلى اتفاق جزئي يؤجل بعض الملفات الخلافية.
-استمرار المفاوضات دون اتفاق نهائي، بما يبقي الوضع الانتقالي قائمًا.
وسيكون مسار كل سيناريو مرتبطًا بعوامل داخلية وإقليمية ودولية متعددة.
ويذهب عدد من المحللين إلى أن نجاح أي تسوية لن يعتمد على الإجراءات الإدارية أو العسكرية وحدها، بل على قدرة الأطراف على التوصل إلى توافقات سياسية ودستورية تعالج قضايا الهوية، والإدارة، وتقاسم الصلاحيات، وتؤسس لعقد وطني جديد يضمن الاستقرار ويستوعب التعددية التي تميز المجتمع السوري.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أزاد خليل * تم إذلال مظلوم عبدي بطريقة قاسية ومهينة في قصر احمد الشرع في دمشق فقد وقف بنفسه ليعلن حلّ قسد، في مشهد لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل بدا وكأنه إعلان هزيمة أمام الجميع. حتى الميكروفون الذي كان يتحدث به مظلوم عبدي كان صوته ضعيفًا ومهزوزًا، وكأن المشهد كله صُمّم ليظهره بصورة القائد المنكسر الذي فقد كل أوراق…

تصريح صادر عن النائب كبرئيل موشي حول حل الإدارة الذاتية وقسد أرحّب بقرار حلّ الإدارة الذاتية ومؤسساتها وحلّ قوات سوريا الديمقراطية، وأعتبره خطوة وطنية مهمة على طريق ترسيخ وحدة الدولة السورية وسيادتها على كامل أراضيها. إن هذه الخطوة تأتي استجابة لإرادة وطنية واسعة، ومن شأنها أن تنقل منطقة الجزيرة التي أنهكتها سنوات الانقسام وتعدد مراكز القرار، إلى مرحلة جديدة عنوانها…

رحب رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، بالتقدم الكبير المحرز في عملية اندماج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مع القوات الحكومية السورية، وبالخطوات المتخذة لتنفيذ الاتفاقات المبرمة بين الجانبين. واعتبر بارزاني، في تصريح له، أن هذا التقدم يشكل تطورا مهما نحو تعزيز أمن سوريا واستقرارها، داعيا جميع الأطراف الكوردية ومكونات الشعب السوري إلى دعم هذه الخطوات والمساهمة في إنجاحها. وأشاد رئيس إقليم…

محي الدين حاجي تقف الحركة الكردية التقليدية في سوريا اليوم أمام لحظة فارقة ودقيقة للغاية في تاريخها السياسي، وهي لحظة لا تحتمل التردد أو الانتظار، بل تتطلب قراءة واقعية وشجاعة للمشهد الجيوسياسية المتغير. إن أزمة هذه الحركة لا تكمن فقط في تراجع حضورها الميداني، بل في غياب المبادرة الاستباقية للتعامل مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. ولعل النظر إلى تجربة…