سجّل… ولكن سجّل التاريخ كما هو

حسن قاسم
أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ.
في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا من القصيدة، ويجب أن يُقرأ بعين النقد لا بعين العاطفة.
أتذكر حديثًا مع الأكاديمي السوري الراحل سهيل زكار، أستاذ التاريخ في جامعة دمشق، الذي رأى أن جانبًا كبيرًا من الرواية التاريخية العربية يحتاج إلى مراجعة ونقد، وأن كثيرًا من المصطلحات والتفسيرات السائدة تشكلت في سياقات سياسية وثقافية أكثر من كونها حقائق نهائية.
إن تاريخ العرب في معظم أقاليم المشرق وشمال أفريقيا، وفق العديد من الدراسات، ارتبط أساسًا بمرحلة التوسع الإسلامي في القرن السابع الميلادي وما بعده، بينما كانت هذه المناطق مأهولة منذ آلاف السنين بشعوب وحضارات متنوعة؛ فالقدس وبيت لحم تنتميان إلى إرث آرامي وكنعاني، وبلاد الشام عرفت الآراميين والكنعانيين والفينيقيين، وشمال أفريقيا هو موطن الأمازيغ، أما بلاد الرافدين فهي مهد شعوب عديدة، ومن بينها الكرد الذين يشكلون أحد أقدم شعوب المنطقة، وقد انتهى بهم الأمر بعد سقوط الدولة العثمانية موزعين بين أربع دول.
إن الاعتراف بهذا التنوع لا ينتقص من اللغة العربية ولا من الحضارة الإسلامية، لكنه يرفض اختزال تاريخ المنطقة في هوية واحدة، أو تصوير جميع شعوبها على أنها عربية منذ القدم.
إن إعادة قراءة التاريخ ليست عداءً للعرب، وإنما دفاع عن الحقيقة التاريخية، واحترام لحقوق جميع الشعوب في هوياتها وذاكرتها وتراثها.
فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات، ولا يُقاس بقوة الخطاب القومي، بل بالأدلة والبحث العلمي والنقد الحر.
لا لتزوير التاريخ… نعم لتاريخ يعترف بجميع شعوب المنطقة، دون إقصاء أو احتكار للهوية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…