غربي كوردستان حاضر مؤلم ومستقبل غامض

د. محمود عباس

   رغم أن عرض البدائل والاحتمالات المتوقعة لمرحلة تكاد تكون من الماضي، فيه نوع من السذاجة السياسية قبل الثقافية، إلا أن مراجعة الذات في واقع الإدارة الذاتية من الضرورات التي قد تساهم في إزالة السوداوية المتفاقمة بين المجتمع، كما وأن إعادة النظر في الخطط المستقبلية وتعديلها على البنية الكوردستانية، قد ترسخ المسيرة، وتفتح آفاق ناجحة، وتخلق مرحلة نوعية أصح، ليس فقط للكورد بل ولجميع مكونات المنطقة. 
  لو أحيت قوى الإدارة الذاتية الأممية، من بدايات سيطرتها، السمات الكوردستانية في غربي كوردستان، وبنت على أسسها إقليم فيدرالي كوردستاني بجغرافية محددة، ومثلها للمناطق الأخرى التي تهيمن عليها، مع المطالبة بسوريا لا مركزية فيدرالية، وواجهت التهديدات التركية، والنظام السوري ومعارضته، بشكل واضح من البعد القومي، حتى ولو كانت على منهجية الأمة الديمقراطية.
 لكانت قد حدت الكثير من مخططات تركيا ومسيرة احتلاها لمناطق غربي كوردستان، ودفعت بالقوى المذكورة المعادية للكورد والدول الكبرى، التعامل معها بمنطق إدارة بإمكانها إعادة تركيبة الدولة، وقوة نابعة من لدن شعب يعيش على أرضه التاريخية، ولملكت من مقومات الحق الدولي ما يدفع بها لتطبيق النظام القانوني والمقبول من معظم دول العالم. 
 وفي الواقع الداخلي، لضيقت شرخ الخلافات بين أطراف الحراك الكوردي، وبالتالي كسلطة، كانت ستحصل على قوى إضافية من الشارع الكوردي، لعرض سيادة قومية-وطنية على المنطقة، وفرضت حضورها على المحافل الدولية.
من المؤكد أن الصفة الكوردستانية كانت ستزيد من عداوة تركيا، لكن بالمقابل كانت ستخلق لها إشكاليات أثناء حواراتها الخارجية حول القضية الكوردية، وستجبرها على البحث عن حجج ومبررات مختلفة، مطعونة فيها عند القوى الديمقراطية، لأنها ستضطر على إتهام كلية الحراك الكوردي القومي بالإرهاب، وليس فقط حزب الـ ب ي د أو العمال الكوردستاني، كما وأن تهم زعزعة الأمن التركي ستصبح هشة، ولكانت الحجة قوية بيد الكورد، على أن تركيا تحارب الشعب وليست منظمة، أو حزب.
تركيا القوة العسكرية الثانية في الناتو، وهي دولة بدأت تقارن ذاتها بالدول الكبرى، فمواجهتها عسكريا، والأساليب الكلاسيكية مثلما بين الدول، في هذه المرحلة، فيها نوع من السذاجة، إلى جانب أنه أسلوب مرفوض من قبل جميع القوى الدولية والإقليمية، والأغلبية الكوردية أيضا بدأت تشكك في نجاح الجاري، لذلك لا بد من البحث عن أساليب عصرية في المواجهة، وتركيا بذاتها ورغم قوتها، منذ عقد وأكثر تستخدم أساليب مختلفة، بين حين وآخر، أكثر خباثة من الماضي ضد الكورد.
لذلك نرى أنه لا يزال بالإمكان، التحول السلس إلى السمات الكوردستانية، كرفع علم كوردستان كرمز للمنطقة، مع الاحتفاظ بالرموز الحزبية، وإشراك الأطراف القومية المعارضة مع الاحتفاظ على المنهجية الأممية كحزب، ويجب أن تحاور الأطراف الكوردية الوطنية قبل أن تحاور النظام، أي تطبيق المخطط القومي-الوطني للمنطقة الكوردية. 
 فرغم أوجه التناقض في منهجية الأحزاب التابعة للإدارة الذاتية، وفي مقدمتهم الـ ب ي د، وبناء على التسميات الديمقراطية مع غياب الفعل، والأممية مع غياب القومية، وضحالة اهتمام الإدارة الذاتية بالواقع المعيشي للكورد مقابل ما حصل عليه المكون العربي المهاجر إلى المنطقة، أو الذين أستوطنهم البعث سابقا، وغياب الخدمات، وتدهور البنية التحتية، تظل أقوى طرف في وجه القوى المتربصة بالكورد، وفي مقدمتهم تركيا وأدواتها، وكانت لها الأفضلية بإيصال صوت الشعب الكوردي وقضيتهم إلى الكثير من المحافل الدولية، رغم نفي البعد القومي عن ذاتها، لكن مع الأطراف الكوردية الأخرى، لبلغت إدارة الإقليم الفيدرالي لغربي كوردستان، مراحل أعلى وملكت مساحات سياسية ودبلوماسية أوسع، ولتخلصت من مكامن التناقض بين النظرية والعمل، أي بين ما تقدم بها ذاتها، وما تعرف به على الساحات الإقليمية والعالمية كإدارة كوردية. وعليه نؤكد أن مسيرة التصحيح مهمة وقابلة للتطبيق. 
 قد يتضمن المطروح مسائل جدلية، كثيرا ما ترافقها أسئلة شكوكية، لا حصر لها، لكنها ستمكن قيادات الإدارة الذاتية، والقوى الحزبية المشاركة، الإجابة على التهم المتعددة، بمنطق يخرجهم من أزماتهم، وتقوي الجبهة الداخلية لمواجهة التهديدات التركية المتتالية لاحتلال غربي كوردستان.
 من المؤسف، ما بين ترجيح منطقية المذكور، أو عدميته، والتعليقات التي تلقيناها على منشورنا المماثل لمثل هذا الطرح قبل أيام، وحيث عمق التناقضات، والانتقادات والتهم بكل أنواعها، والمتصاعد يوما بعد آخر بين مجتمعنا، تبين على إن شعبنا الذي دفع به إلى مستنقع الخلافات الداخلية، يتناسى أن أعداءنا، وفي مقدمتهم أردوغان لا يقفون على الاحتمالات لتحريك أدواتهم ضد المنطقة الكوردية.
 ونتناسى أن خلافاتنا تتجاوز ما نتجت عن السياسة الخاطئة التي أقدمت عليها ألـ ب ي د والتي أدت إلى حدوث الكوارث في ديمغرافية المنطقة الكوردية، برفقة المنهجية والتبعية الفاشلة التي لا زالت تتمرغ فيها الأنكسي وقيادات من أحزابها، الذين كثيرا ما يفضلون مصالحهم الشخصية على القومية والوطنية.
  فما دامت قدرات الأنكسي دون سوية الأمل فيها، وأضعف من أن تتجاوز المصالح الشخصية، والتحرر من الإملاءات الخارجية. وما دامت الإدارة الذاتية، لا تستطيع إزالة الصبغة الكوردية عن ذاتها، إقليميا ودوليا، رغم كل محاولات التهرب منها، وتقديم ذاتها في الأروقة الدبلوماسية العالمية أو على الإعلام على أن المنطقة تدار من قبل قوى مشتركة، دون أن تقنعهم، فالأولى بهما مواجهة الواقع، وتواجههم على أن تركيا ومعها إيران، لن يسمحا للكورد بإدارة منطقتهم، خاصة الـ ب ي د تحت اتهامات الإرهاب، وبالتالي قد يتم أقناع الدول الكبرى على أن القوى المتربصة بالكورد، يعملون على ألا يكون للكورد دور في قادم سوريا، حتى ولو كتبعية وموالي، أو أدوات تحت الطلب، وحتى تحت مفهوم الأممية، أو بنظام المواطنة إن كانت من قبل قوات الإدارة الذاتية، أو الأنكسي، والذي بدأ بعض من قيادييها يروجون لهذه المنهجية، والطرفين تناسوا النظام الفيدرالي لغربي كوردستان، بل وغربي كوردستان كبعد قومي، أي عمليا الطرفين دون أطراف الحراك الكوردي الوعي لن ينجحوا في المسيرة، مثلما لم ينجحوا في حواراتهم وقبلها في الشراكة لبناء مجلس موحد، والخوف من أن تكون المكتسبات آنية.
مع ذلك علينا ألا نتناسى أن نتائج السنوات الماضية، بدءا من تحريض داعش على مهاجمة الإيزيديين والمنطقتين الكورديتين مرورا باحتلال الباب إلى سري كانيه، تبين أنه لن يكون للكورد المنسقين مع المعارضة دور ولن يكون، تركيا لن تسمح للقوى الكوردية مشاركة المعارضة في إدارة أية منطقة تحتلها، مهما كانت سويات المواقف من أحزاب الإدارة الذاتية أو من العمال الكوردستاني، وما تم الحديث عن احتماليات تغيير الإدارة بأحزاب المجلس نوع من الأحلام، خال من المنطق والواقعية، وليتها كانت، رغم ما تثار على خلفية عنجهية الـ ب ي د ومواقفها من الأطراف الكوردية المعارضة لمواقفها وأساليب إدارتها.
لذا فعلى الجميع أن يدرك أن إزاحة الإدارة الذاتية، لن تفتح الدروب للبديل الكوردي. وبالتالي لا بد من اتفاق جمعي على بعض نقاط التقاطع، أو قبول البعض حتى ولو على منطق سلطة ديمقراطية ومعارضة وطنية.
غياب البديل، غربي كوردستان ستكون مصيرها كمصير كوردستان الحمراء. أي أننا سنكون أمام قضية مدرجة ضمن صفحات التاريخ.
سيطرة المنظمات التكفيرية والاحتلال التركي ستفاقم من الكارثة الديمغرافية الكوردية التي حلت بمنطقتنا، عفرين (وردة كوردستان) خير مثال.
فمن الحكمة، تقييم الأخطاء، عن طريق الحوارات، وإقناع البعض على أن أخطاء مدمرة حدثت ولا تزال جارية، وهي ليس في صالح القضية والشعب، ولا لصالح قوى الإدارة الذاتية أو لقادم المنطقة بشكل عام.
 لا بد من وعي ذاتي، وتوعية المجتمع على مفاهيم عصرية، بعيدا عما ينشره الحراك الحزبي الحالي، حتى ولو أشترك فيها بعض الواعين للقضية.
 علينا أن نكثف جهودنا لرفع مدارك شعبنا، الجهالة غير المرئية أخطر الأعداء، وألا نستخدم النقد كمنهجية للتدمير، علينا أن نساعد وننقذ بعضنا، ونصحح المسارات. محاربة الكوردي الآخر تدمير للذات، وتقزيم للقضية.
 
الولايات المتحدة الأمريكية 
15/6/2022م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

آخين ولات ليست مسألة انتماء الكرد إلى الدول التي يعيشون فيها قضية يمكن اختزالها في اتهاماتٍ جاهزة أو أحكامٍ مسبقة عن “الولاء” و”الاندماج”. إنها، في جوهرها، مرآةٌ تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وحدود قدرتها على استيعاب التعدد داخل إطارٍ وطنيٍ جامع. فعلى مدى قرنٍ تقريباً، نشأت في المنطقة دولٌ حديثةٌ رفعت شعارات الوحدة والسيادة، لكنها تعاملت مع التنوع القومي…

عنايت ديكو هناك خيط واحد يربط بين كلّ ما يجري على الأرض السورية معاً: تُعتبر القضية الكوردية، والخوف المزمن للسلطة من الكورد، لغةً وهويةً ووجوداً وتاريخاً، من أصعب التحديات والعوائق التي تواجهها الحكومة العربية السورية منذ تسلّمها الحكمدارية في دمشق وحتى هذه اللحظة. فالقضية الكوردية وتشعّباتها، لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على شرعية الحكم في سوريا. اليوم، وبعد الاستسلام العسكري…

خالد حسو القضية الكوردية ليست قضية حزب أو تيار أو رؤية سياسية محددة، بل هي قضية شعب يمتلك تاريخاً وهويةً وحقوقاً مشروعة سعى للحفاظ عليها عبر عقود طويلة من التحديات والمعاناة. ومن هنا، فإن اختزال هذه القضية الواسعة ضمن إطار ضيق أو ربطها برأي واحد فقط، لا يخدم جوهرها الحقيقي ولا يعكس تنوع المجتمع الكوردي وغناه الفكري والسياسي. الاختلاف في…

زاهد العلواني ماموستا صلاح بدرالدين لسان حاله يقول: الشعب الكردي يريد قيادة شرعية لا أوصياء أحزاب. وكلامه هذه يعبّر عن وجع شريحة واسعة من أبناء الشعب الكردي السوري الذين تعبوا من دوامة الشعارات الفارغة، والانقسامات الحزبية والعدد تجاوز “38” والوعود التي استُهلكت منذ سنوات دون أي نتيجة حقيقية على الأرض. لقد تحولت بعض القيادات الحزبية إلى مراكز نفوذ مغلقة، همّها…