كوردستانية الجزيرة – الحلقة الثانية

د. محمود عباس

  التأكيد المستمر على كلمة (العربية) من قبل الدول الضامنة لمؤتمرات أستانة ألـ 15 تركيا وإيران بشكل خاص، دلالة على رهبة هذه الدول من انتشار مفهوم الصيغة الوطنية مستقبلا على دساتير بلدانهم، وهو ما يحثهم للتركيز على شمولية النظام، الملغي لحقوق القومية الكوردية حصراً. علما أنه هناك أتفاق بين بعض منظمات المعارضة السياسية وأحد أطراف الحراك الكوردي، على عدم التقيد بالعروبة ضمن أسم الجمهورية السورية. 
 علماً أن روسيا تتغاضى في جميع هذه المؤتمرات عن مطامع تركيا، مقابل تحديد الأخيرة سقف المساعدات للمعارضة العسكرية، لئلا تبلغ سوية تهديد الوجود الروسي، وبشكل خاص طيرانها، وإلا بإمكانها أن تقلق روسيا في سوريا وبقوة، والمعادلة هنا ثلاثية الأبعاد، ما بين تركيا وإيران وروسيا، والكل متفقون على مواجهة أمريكا في المنطقة، وهو ما يحد من عدم مشاركة الأخيرة في كل المؤتمرات، بل والكل يدرك أن هذا الغياب أدى إلى فشلهم على مستوى الحل لسوريا، رغم نجاحهم الشكلي في تحجيم الدور الكوردي دولياً وفي المنطقة، إلى جانب تصعيد الصراع بينها وبين أطراف من المعارضة العربية. 
 هذه الحقيقة لا تلغي الأخر، ولا تهدم العلاقة الإنسانية التي تراكمت على مدى قرن وأكثر بين شعوب المنطقة، ولا تعني أن رد فعل الشعب الكوردي أو حراكه ستكون مماثلة لما فعلته الأنظمة الشمولية السابقة بالكورد والمكونات الأخرى العربية وغير العربية في المنطقة، كوردستانيتها تعني التآلف وترسيخ الوطنية الصادقة، ووضع نهاية للعقود المظلمة الماضية، فما تم تحت مصطلح (الجمهورية العربية السورية) كان كارثيا.
فتجربة طغيان قومية على الأخرى، ضمن الوطن الواحد، والتي دامت قرابة القرن من الزمن، ليس فقط في سوريا، بل في تركيا وإيران والعراق، أدى إلى تخلف المنطقة عن الحضارة، وغياب المبادئ الديمقراطية، وهو ما يحثنا على تغييرها لأن المسيرة أثبتت فشلها في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات، وعليه فلا بد من تطبيق تجربة مغايرة، تثبت جدواها، في إدارة الجزيرة وبصيغتها الأصلية، والتي تحتضن الجميع تحت عباءة وطنية صادقة نقية. والتي على مبدئها سيتم إعادة: بناء الإنسان السوري المدمر، والثقة والمحبة بين مكوناتها، وربما تكون مقدمة لإعادة تكوين سوريا كوطن، كما يجب أن تكون عليها الأوطان، بعكس ما تم على خلفية العروبة التي دمرت المدنية والمجتمع، وألغت الآخر في المسافات القومية والمذهبية والدينية. 
  وغاية إعادة صفتها المنزوعة منها تتعارض وما ينشره بعض الكتاب والسياسيين العرب من الشكوك والتخويف حول حقيقة الجزيرة وكوردستانيتها. فرهبة البعض الآخر نابع من احتماليات الخسارة لمراكزهم ونظامهم الشمولي المدمر لسوريا وشعوبها، وهو ما نراه اليوم.
 تحمل أبناء الجزيرة تسعة قرون من ظلم سلطات الإسلام السياسي العربي والمخفيين تحت عباءتهم، وأربعة قرون من الطغيان العثماني وبشائعهم، وقرن من أوبئة الأنظمة العروبية القومية العنصرية، فلربما قد حان عهد التنوير وتجلي الحقيقة، وقيادة الجزيرة أصحابها الحريصين على إنسانها وثقافتهم ومستقبلهم. كوردستانيتها ترعب شريحة من الكتاب والسياسيين العرب والقوى المحتلة، لأنهم سيخسرون مراكزهم، وستنقطع دروب النهب والفساد، لهذا يبثون الشكوك، ويخلقون الهالات المرعبة حولها، من مفهوم الانفصال إلى تقسيم سوريا، ويعتمون على حقيقة الجزيرة وتاريخها في تلك المراحل، ولا يظهرونها إلا مع التحريف، ويفاقمون من التخوف، لأنهم يتوقعون في الواقع الكوردستاني أن تصبح مثالا عن الديمقراطية في المنطقة، وبالتالي ستكون نهاية أنظمتهم الدكتاتورية التي فعلت بسوريا وشعوبها ما نراه اليوم.
 محاولة إقناع أيتام البعث والأحزاب العروبية الأخرى، على كوردستانية الجزيرة (الكوردستانية حاضراً وعلى الأبعاد التاريخية، والمكونة جزءاً من جغرافية سوريا كوطن) من أكبر الأخطاء. والرد على ما قامت به السلطات الشمولية المتعاقبة على سوريا، وأدواتها في محاولات سلخها من حاضنتها الجيوسياسية، تاريخيا وديمغرافيا، جدلية ساذجة. وتغييب أو تناسي الصراع الدامي للشعب الكوردي عن جزيرتهم منذ الغزوات العربية الإسلامية الأولى وحتى الاستعمار الفرنسي وما تلاه من الأنظمة العنصرية خباثة؛ خلفها مخططات إجرامية تتجاوز منطق المواجهة اليومية، لأن العلاقة الجدلية بين الشعب الكوردي أبناء الجزيرة وبين طبيعتها وبيئتها رباط تصل إلى سويات الحد ما بين الحياة والموت، خلقت من على أبعادها عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم، وعلى أسسها تكونت أساطيرهم، الأدبية ومعظم فولكلورهم، وألهمت شعرائهم، مثلما ألهمت الصحراء الشعراء العرب. فالعلاقة الأسطورية بين الشعب الكوردي وجغرافية الجزيرة وبيئتها أقوى من جميع الوثائق التاريخية والمخلفات الأركيولوجية. 
  مواجهة الاستفزازات المتواصلة على مدى القرن الماضي، وتعرية محاولات الطعن في التحريف المخطط لنقل هوية الجزيرة من الأصل إلى المتسلط أحفاد الغازي وأبناء الأنظمة العنصرية المحتلة، تظهر على أنه هناك شكوك على بعدها الكوردستاني، وأن ما جاء به النظام، من خلال سياسييها وإعلاميها وكتابها أو غيرهم، ونشرهم للعشرات من الكتب التاريخية المحرفة، التي جندت لها مربعاتها الأمنية، علمية وصحيحة، وقابلة للنقاش والحوار، علماً أن جلها تتناقض والصراع من أجل هوية الجزيرة والحقائق الأركيولوجية والوثائق التاريخية.
  فالكورد عندما كانوا يقدمون الشهداء دفاعا عن أرض الجزيرة، لم يكن هناك وجود للمكون العربي فيها أو على أبعادها القريبة، وتشهد على تضحياتهم أكثر من منطقة وموقع، وخلال جميع المواجهات مع الغزاة أو المستعمرين أو المحتلين لم يذكر التاريخ اسم شهيد للمكون العربي سقط على جغرافية الجزيرة، في الوقت الذي تشهد على تضحيات الكورد من أجل حماية الجزيرة وانتماءها الجغرافي لكوردستان، حوادث على مر التاريخ، ومن بينها مواجهة الغزوات العربية الإسلامية، في كل من مدن الرقة ونصيبين وشنكال والرها، وغيرها، والمواجهات المتتالية مع المحتل العثماني قرابة أربعة قرون، ومعارك بياندور وكري توبي، وديركا حمكو وعامودا ضد المستعمر الفرنسي، وفيما بعد الصراع الذي لا يزال مستمراً منذ هيمنة أول نظام شمولي على سوريا إلى اليوم… 
يتبع…
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
13/2/2021م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

هجار أمين في الرابع عشر من حزيران 1957، انطلقت شرارة التنظيم السياسي الحديث للحركة الكوردية في سوريا، حين تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، لم يكن مجرد حزب يمر مرور الكرام، بل كان تجسيداً لإرادة شعب رفض التهميش والإنكار، وقرر أن يصنع تاريخه بيديه. اليوم، ونحن نحيي الذكرى 69، نقف بإجلال أمام كل المناضلين الذين آثروا كفاحهم على راحتهم، وساروا…

فيصل اسماعيل الحرب الأمريكية على إيران، وحسابات القوى الكبرى، ومستقبل المشروع الوطني الكوردي في شرق أوسط يُعاد تشكيله من جديد إن الخطر على الكورد لا يكمن فقط في نتائج الحرب، بل في أن تُصنع التحولات القادمة وهم منقسمون. فحين تتصارع الإمبراطوريات، تصبح وحدة الموقف الوطني الكوردي أهم من أي وقت مضى. ما يجري اليوم في المنطقة يتجاوز كونه مواجهة…

ماهين شيخاني   في الرابع عشر من حزيران، تحل علينا الذكرى التاسعة والستون لتأسيس أول تنظيم سياسي كوردي في سوريا. تسعة وستون عاماً من الكفاح، والعذابات، والسجون، والتضحيات. وسبعة وستون عاماً من الانكسارات التي لم تكسر الهمة، والانتصارات التي لم تدم طويلاً. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة في تاريخ سوريا: لماذا، بعد…

د . مرشد اليوسف يتناول هذا التحليل حالة الإحباط الشعبي الكردي في إقليم روجافا (شمال وشرق سوريا) من الأداء الحزبي، حيث يتجاوز عدد الأحزاب الكردية المئة حزب دون أن يُحدث ذلك اختراقاً مهما في تحقيق الأهداف القومية أو تحسين حياة المواطن. ومع سقوط نظام الأسد في دمشق، يواجه الكرد استحقاقات كبرى تتطلب مقاربة جديدة . وهذه المقالة تطرح سردية…