العراق بين تحديات الحاضر وآفاق المستقبل: القيادة والإدارة سبيل النجاح

د. حمدي سنجاري

يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات، بل تستوجب رؤية استراتيجية واضحة لبناء المستقبل.

وقد أظهر رئيس الوزراء، منذ توليه المسؤولية، توجهاً يقوم على السعي لإعادة العراق إلى المكانة التي يستحقها إقليمياً ودولياً، استناداً إلى قناعة راسخة بأنّ الدولة العراقية تمتلك من المقومات البشرية والاقتصادية والجغرافية ما يؤهلها لأن تكون لاعباً مؤثراً، لا مجرد متابع للأحداث أو متأثراً بها.

وفي ظل مشهد دولي متشابك، تتغير فيه التحالفات وتتقاطع المصالح بوتيرة متسارعة، تبدو السياسة العراقية مطالبة بإيجاد توازن دقيق يحفظ مصالح البلاد ويجنّبها الانخراط في صراعات المحاور. ومن هذا المنطلق، أرى أن الحكومة تراهن على توظيف الاقتصاد بوصفه مدخلاً للحلول السياسية، من خلال تعزيز الاستثمار وتوسيع العلاقات الاقتصادية وتحويل العراق إلى شريك فاعل في مشاريع التنمية الإقليمية، بما يمنحه دوراً سياسياً نابعاً من ثقله الاقتصادي، لا من موقع المتفرج.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل العراق من دون التوقف عند واحدة من أخطر العقبات التي واجهت الدولة لعقود، وهي الفساد الذي استنزف موارد البلاد وأضعف ثقة المواطن بمؤسساتها. وأي مشروع إصلاحي حقيقي يستوجب أن تتحمّل جميع القوى السياسية مسؤوليتها الوطنية في دعم جهود مكافحة الفساد، وتحويلها من شعار سياسي إلى مشروع دولة.

ولا ينبغي أن ينسى العراقيون التضحيات الجسيمة التي قدّمها أبناء الشعب، بمختلف مكوناتهم، في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، ولا الجهود التي بذلتها جميع الجهات التي أسهمت في دحر الإرهاب وحماية البلاد. فقد شكّل ذلك الفصل محطة وطنية أثبتت قدرة العراقيين على الاتحاد متى ما واجه وطنهم خطراً وجودياً.

غير أنّ مرحلة ما بعد الانتصار تفرض أولويات مختلفة، فبناء الدولة الحديثة لا يتحقق عبر استمرار مظاهر التسلّح (السلاح خارج إطار الدولة)، بل من خلال الاستثمار في الإنسان، وتعزيز التعليم، ودعم البحث العلمي، والانفتاح على التطور التكنولوجي والمعرفي، وإعداد أجيال تمتلك أدوات المنافسة في عالم بات يعتمد على الابتكار والمعرفة أكثر من أي وقت مضى.

وفي الإطار الدستوري، يمثّل احترام إقليم كوردستان والتعامل معه بوصفه جزءاً أصيلاً من العراق الاتحادي أحد أهم مرتكزات الاستقرار الوطني. فالعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ينبغي أن تقوم على الالتزام بالدستور، واحترام الصلاحيات، والاحتكام إلى المؤسسات والقنوات الرسمية، بما يضمن اتخاذ قرارات تخدم جميع المواطنين وتُسهم في التنمية الشاملة، بعيداً عن الخلافات السياسية.

إنّ العراق بلد حباه الله ثروات طبيعية هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وتاريخاً حضارياً عريقاً، وشعباً يمتلك طاقات كبيرة، ويكفي أن يجري في أرضه نهرا دجلة والفرات، اللذان شكّلا عبر آلاف السنين شريان الحياة وركيزة ازدهار الحضارات، ليؤكدا أنّ هذه الأرض تمتلك كل مقومات النجاح والعيش الكريم.

ويبقى التحدي الحقيقي كامناً في الإدارة الرشيدة، والقدرة على توظيف هذه الإمكانات بما يخدم المواطن ويحقق التنمية المستدامة. ومن وجهة نظر كثيرين، فإنّ نجاح هذه المرحلة يتوقف على قدرة القيادات السياسية، وفي مقدّمتها رئيس الوزراء علي الزيدي على المستوى الاتحادي، ورئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني على مستوى الإقليم، على تعزيز التعاون والعمل المشترك ضمن الإطار الدستوري، بما يحقق المصلحة الوطنية العليا، ويرسّخ دولة المؤسسات والقانون، ويضع العراق على طريق الاستقرار والازدهار الذي يستحقه شعبه.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…