الموت في زمن كورونا

د.برنارد ديفالوا 
La mort au temps du coronavirus
تقلِق جائحة COVID-19 القيم الأخلاقية للرعاية ، دون أن يتم جلب ذلك بوضوح إلى التفكير المشترك ، على عكس التأثيرات الصحية والاقتصادية والاجتماعية.
وبالتالي ، فإن مبدأ الإنصاف ينسفه التفاوت الملحوظ في المعاملة بين الوباء الحالي والآفات الأخرى ، والتي ابتليت بها البلدان ذات الإمكانات المحدودة للغاية كتلك الموجودة في جنوب الصحراء الكبرى ” في أفريقيا “. وحتى الآن ، يُعزى أقل من 5000 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم إلى COVID-19 ، معظمهم من كبار السن و / أو الأشخاص الضعاف البنية الجسمية. ويتسبب فقر الدم المنجلي والملاريا في وفاة أكثر من 100000 شخص وأكثر من 400000 شخص (معظمهم من الأطفال) ، على التوالي ، كل عام. وقد تم نسْف مبدأ التغطية الصحية الشاملة من خلال التوفيق بين هذه الأرقام. وكما قال كولوتشي ، ثمة من هم متساوون أكثر من الآخرين.
الصراع الأخلاقي
مهمة للغاية، تلك الرؤية الأخلاقية المجتمعية حول الصحة العامة ، وخاصة في أوقات الأزمات. ويتعلق الأمر بكل شيء، للدفاع عن مصالح المجموعة (خاصةً لأنها قوية). وإنما يمكن أن يتعارض ذلك مع نهج أكثر ليبرالية يؤكد على التفوق على أي اعتبار آخر لحرية قرار الفرد واستقلاليته. كما يمكن أن يتعارض مع أخلاقيات العلاج الجيد المقدَّرة على المهنيين الصحيين: فلكل مريض ، يجب توفير أفضل رعاية ممكنة.
وتظهر التوترات بين هذه التوجهات الثلاثة بشكل أكثر وضوحاً في إدارة هذه الأزمة. وعلى سبيل المثال ، كان العزْل/ الحجْر المفروض على سفينة الرحلات البحرية في اليابان في شباط منطقياً في رؤية مجتمعية. ولم تحترم الحريات الفردية. كما أنه لم يكن جيدًا لأولئك الذين وجدوا أنفسهم عرضة لخطر متزايد للتلوث ، كما أثبت التالي.
وماذا عن حجْز 15 مليون إيطالي ، ثم البلد بأكمله؟ إن لم تكن المصلحة العامة ، بطبيعة الحال ، مجموع مصالح معينة ، فكم يجب علينا أن نقطع شوطاً طويلاً في هذا الاتجاه؟ كيف وإلى من يجب أن نعهد بالحق في الحكم على ما إذا كانت قضية المجتمع هي السائدة على قضايا الحرية أو المعاملة الجيدة؟ تُرى، هل القادة السياسيون قادرون حقًا على اتخاذ القرار؟ أم أنهم تحت تأثير الخبراء الذين هم ورثة الفكر الصحي (الذي يعرف الانهيارات  derives).
ماذا سيكون موقف الأطباء؟
فبالنسبة للعاملين في مجال الرعاية الصحية ، تكون هذه المواقف الكارثية معدَّلة بشكل واضح بصدد البطاقات الأخلاقية ، كما أظهرنا في حالات سابقة. فهم يواجهون معضلة كبيرة مباشرة: العناية بصحتهم أو حتى حياتهم ، أو حماية مصالحهم الخاصة – والتخفّي se dérober. وإذا كان تعظيم الاهتمام  Si l’hagiographie soignante يشير إلى أن هذا هو المسار الأخلاقي الأول الذي يتم اختياره دائماً ، بذلك يبدو من المشروع التشكيك في حقيقة هذا الافتراض.
ونظراً لانخفاض معدل وفيات الفيروس ، فإن المشكلة ليست في المقدمة هذه المرة ، على عكس الحلقات السابقة (H5N1 أو H1N1 أو أسوأ من السارس أو الإيبولا). وبالتأكيد ، فقد تم تمجيد الطبيب الصيني الذي أطلق التنبيه والذي كان أحد ضحاياه. إنما إذا أصبحت المشكلة بوضوح “معالجة المرضى المعرضين لخطر الموت أو القتل للمقرَّبين” ، فكيف يتصرف كل منا؟ من يستطيع أن يؤكد سلوكه البطولي؟ هل يمكن للمرء أن يتصور، بالنسبة لموظفي اللوفر ، يكون حق الانسحاب مع مراعاة المخاطر على صحته؟
يُنسب إلى جالينوس ، القول المأثور لأفضل موقف في مواجهة الطاعون ، منذ فترة طويلة: ” اهرب سريعاً ، بعيداً ، طويلًا وعُد متأخراً Fuis vite, loin, longtemps et reviens tard “. ” وتُنسب هذه الخيارات إلى الأطباء ، سواء في عام 1720 في مرسيليا خلال آخر وباء الطاعون الكبير ، وفي عام 2003 ، أثناء وباء السارس في كندا.
نحو التخلي عن الأمل في الشفاء  incurables
بالمقابل، تثير إدارة نهاية الحياة في حالة التدفق الهائل للمرضى المستعصيين، تحديات كبيرة ، ولكن لم يتم تصورها رسميًا أبدًا. فتتطلب أخلاقيات العناية توفير أفضل دعم ممكن ، حتى نقطة الموت الحتمية. إنما ستؤدي رؤية النفعية حتماً إلى طرح السؤال: لماذا “يهدر” وقت مقدمي الرعاية ويعرضهم للتلوث ، في سبيل “قضية ضائعة  cause perdue “.
لقد اتخذت جمعية التخدير والإنعاش الإيطالية موقعًا في هذا الاتجاه. حيث إن التخلي عن هؤلاء المستعصيين (الذين يتعرضون للموت من ضائقة تنفسية غير مريحة للغاية) سيصبح خياراً لا مفر منه. أما فيما يتعلق بطلب أسرَّة الرعاية المسكّنة للألم والعاملين المكلفين بها ، فمن الضروري تصور ذلك في سياق نقص أسرة المستشفيات.
يذكرنا ضحايا الطاعون في يافا ، لوحة غروس ، أنه في عام 1799 ، أثناء وباء الطاعون خلال الحملة المصرية ، طالب بونابرت من الطبيب ديسجينيتس أن ينهي حياة الجنود المصابين بلا رحمة. وقد أدانوا ، وهددوا بتلويث بقية الجيش. لكن الطبيب رفض رفضاً باتاً ، مشيراً إلى واجبه في الرعاية.
” أنطوان جان جروس – بونابرت يزور ضحايا الطاعون في يافا “
وأقرب إلى المنزل ، في عام 2005 ، تم عزل المركز الطبي التذكاري بسبب الفيضانات بعد أن مر إعصار كاترينا. وقد نفدت الكهرباء من إنشاء 317 سريراً للشيخوخة وكانت درجة الحرارة أعلى من 38 درجة مئوية. وبحجة أنهم ربما لن يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة ، اختار مقدمو الرعاية “تخفيف معاناة” العديد من كبار السن. سوى أنهم حوكموا بعد ذلك بتهمة القتل. تُرى هل يجب تغيير المسئولية الأخلاقية وحتى القانونية للعاملين في الرعاية الصحية في حالات الكوارث؟
كما نرى ، يجب أن تكون التوترات الأخلاقية المتعددة المرتبطة بالأوبئة (هذه والتوترات التالية) موضوع مناقشات متعمقة، حيث لا يتم إخفاؤها تحت بساط الإعلام الفوري. ولم تساعد الأزمات السابقة حقاً. ورغم ذلك ، فإنه في إشارة إلى غارسيا ماركيز الذي كتب عن الحب في زمن الكوليرا ، قد يكون من المناسب الآن التفكير معاً في القضايا الأخلاقية للموت في زمن كورونا.*
النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود
*-نقلاً عن موقع https://www.la-croix.com، وتاريخ نشر المقال 11-3/ 2020 ، أما عن كاتب المقال فهو الدكتور برنارد ديفالوا ، مدير مركز أبحاث الرعاية ونهاية الحياة.
Pr Dapa Diallo ، المدير السابق لمركز أبحاث أمراض الخلايا المنجلية ومراقبتها(باماكو ، مالي)

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…