هل يقرأ المتصفح؟

ماجد ع  محمد
يتذكر جمهمور الصحف المحلية والعربية في بلادنا أن متصفح الجرائد الورقية بداية الأمر لم يكن يقرأ إلاّ عناوين الأخبار أو الزوايا والأعمدة المنشورة في الصحيفة، ليختار منها ما يراه ضرورياً بادئ ذي بدء ومن ثم ينتقل إلى مادة أخرى أو يكتفي فقط بقراءة العناوين إن كان سريع الضجر، بينما حال المتصفح في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ربما هو أسوأ من متصفح الصحيفة، وذلك بسبب غزارة المواد المطروحة أمامه والتي لا قدرة له على مجرد تصفحها، وحتى وإن تفرغ للمتابعة فلن يكون بمقدوره الخروج بما كان مفيداً، خصوصاً إذا ما انتقل كالعصفور الرقاص من موضوع لآخر لا رابط بينهما، ويغدو كالذي تناول كمية هائلة من البوشار، المادة الخفيفة التي قد تمده بنتفٍ من العناصر الغذائية إلا أنها لا توصله قط إلى مراقي الشبع والفائدة.
كما أن الإنسان في الحياة العامة قد لا يصادف في يومه وهو سائر في أزقة منطقتهِ أكثر من شخصين أو ثلاثة أنفار، إذ بإمكانه حينها التوقف عندهم على أرض الواقع وتبادل الأخبار والتحيَّات معهم، أما في وسائل التواصل الاجتماعي ولمجرد أن تفتح صفحتك فقد تصادف عشرات الأشخاص أمامك، فإن تكرمت وتوقفت عند كل صديق أو قريب فلن ترى أو تسمع أو تقرأ شيئاً من المنشورات أمامك، وسترى نفسك في النهاية مهدور مع وقتك بشكلٍ دائم، لذا ومن باب النصح نقول: إن من لم يكن لديك أيها العابر على جدران الآخرين ما يخصك، فلا تُداهم نوافذهم الخاصة، واكتفِ بما لديه للعامة الذين ما زلتَ تُفضل بأن تبقى واحداً منهم.
عموماً بالرغم من أن الفيسبوك غدا منبر محلي وعالمي لآراء الكثير من الناس على اختلاف مشاربهم وأعمارهم وأجناسهم، إلاّ أن أردأ الصور واللوحات الكاريكاتورية في وسائل التواصل الاجتماعي تبقى لتلك الانتصارات الكاذبة التي يتبجح  بها هذا النفر أو ذاك، والتي لو قرأها سرفانتس قبل مماته أو عاصرها دونكيشوت لماتوا من القهر قبل إتمام الرواية، كما أن من كوارث ديمقراطية التواصل الاجتماعي، أنها مثل صناديق الاقتراع أوان الانتخابات الوطنية، فكل نسخة من الكائنات البشرية لها نفس الحقوق والقيمة الرقمية أوان العد والفرز وجمع الحصائل.
ولكننا في جانبٍ آخر لا ننكر بأن من بعض أبرز ميزات وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الأخص “الفيس بوك” ديمقراطياً، هو التخلص الأبدي من سطوة الكبار الذين كانوا يحتلون منابر الإعلام المرئي أو المكتوب أو المسموع كزعماء السياسة أو المال، إذ لم يعد أحد يقف كالعسكري الغُر أمام اسم الروائي الكبير، الفنان الكبير، الشاعر الكبير، الراقص الكبير، الصحفي الكبير، السياسي الكبير، الناشط الكبير، المقاول الكبير، الحرامي الكبير، فالفيس بوك وأقرانه حرروا الناس من سطوة وهيمنة الكبار!.
وبالعودة إلى المتصفح فسبق أن شبّهوا جمعاً أو رهطاً من الناس لا يسمع بعضهم بعضا، بحمام قطع الماء عنه، حيث الكل يتكلم ولا ينصت واحدهم لحديث صاحبه، ما يعني بأن كل نفر منهم يدلي بدلوه من دون أن يعرف ما الذي ورد في دلاء الآخرين، ولأن في الفيس بوك كل واحد يكتب عن موضوع الساعة، فقد تجد عشرات البوستات تكرر نفس الفكرة، ونفس الصورة، ونفس الأطروحات، ونفس التساؤلات أو المعلومات أو الآراء، ما يعني بأن كاتب المنشور إما هو مجرد صدى لبوستات سواه، أو أنه أصلاً لم يقرأ المنشورات المتعلقة بنفس الموضوع، وإلاّ فلو كان ممن قرأها فعلاً لما كرَّر كلام غيره بحذافيره على جداره الخاص.
وعلى غرار هؤلاء الذين يستبد بهم هاجس النشر وحيث أن أشقى ما لديهم هو أن يُتعبوا أنفسهم بقراءة مكتوبات سواهم، ثمة أناس من نفس النماذج خارج وسائل التواصل الاجتماعي، فنجد أفراداً من المؤدلجين أو من المعجبين بأفكارهم إلى حدود النرجسية، فكل همهم هو إفراغ ما في أجوافهم على مسامع الآخرين في الوقت الذي لا يكون لديهم أي استعداد للاستماع إلى غيرهم في المجالس الكبيرة أو الصغيرة؛ وهو ما يتوافق نوعاً ما مع ما يشير إليه الكاتب الأمريكي الراحل ستيفن كوفي بقوله: “أغلب الناس لا يستمعون بهدف الفهم، وإنما بهدف الرد؛ فهم إما يتحدثون أو يعدون أنفسهم للحديث”.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…