قادر ولكنه لا يفعل

ماجد ع  محمد
يروي الكاتب الكردي مصباح هجري(Misbah Hicri) في قصة شعرية له عن بائعٍ جوال خرج يوماً في شتاءٍ زمهريره كان أشبه بصفعات عناصر المخابرات في الأقبية الخالية من الحرارة الإنسانية، ورغم الظروف المناخية القاسية خرج البائع يسعى لكسب لقمة عيشه، ومن سوء طالعه الأسود غدا بياض الثلوج التي سقطت بغزارة ذلك اليوم يغطي الدروب والمعابر، وهو ما أدى إلى تعثر حماره وارتطامه بالصعيد مع كامل أحماله بسبب انزلاقه على الثلوج التي كان الصقيع قد حوّلها بعد التراكم على الطرقات إلى ما يشبه المزالق، وعقب وقوع المصيبة صار البائع يدور حول الحمار كالملسوع عله يُساهم في رفعه عن الأديم، فينقذ بذلك بضاعته والحمار معاً،
 إلا أن كل محاولات إنهاض الحمار باءت بالفشل، وعندما أدرك البائع بأنه غير قادر على تحريكه عن الأرض، عندئذٍ باشر بالتضرع والدعاء إلى الخالق عل عون الله وسلطانه يخلصانه من محنته في ذلك اليوم القارس، ومن ثم راح يخاطب ربه بكلامٍ يقر فيه بعظمته وقوته وبنفس الوقت يشوبه شيءٌ من الكفر حيث يقول: “يا رب إنك قادرٌ على أن تجعل من هذا الثلج تبنا، وبكل سهولة تستطيع أن ترفع حماري الرمادي عن الأرض، فتسعدني بذلك الصنيع، وتُفرِح قلبي به، ولكنك لم تجعلها مِن قبلُ عادة، ولن تفعلها الآن كذلك!”.
وصراحةً فالذي ذكّرنا بقصة البائع وخطابه الموجه إلى ربه، هو تصريح جديد للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الثلاثاء الفائت، القائل إن بلاده قادرة على منع قوات نظام الأسد من انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بينها وبين روسيا حول محافظة إدلب شمالي سورية، وذلك خلال كلمة ألقاها الرئيس أمام البرلمان التركي ونقلتها وكالات الأنباء ومن بينها كالة الأناضول الرسمية، حيث أكد في كلمته أن بلاده قادرة على منع قوات النظام من خرق اتفاق الهدنة في إدلب، ولكنه ختم التصريح بجملة: “إذا دعت الضرورة”، إذ وكأن جملة إذا دعت الضرورة جاءت لتنسف كل الجمل التي سبقتها، بإعتبار أن هذه الضرورة خاصة بتركيا والأمن القومي التركي وسلامة الدولة التركية وشعبها، ولا علاقة لها بما يعانيه ويتجرعه الكائن السوري في عموم سورية منذ 2011 إلى الوقت الراهن. 
وبما أن الشيء بالشيء يذكر لذا فإن جملة “إذا دعت الضرورة” الطازجة، تعيد إلى أذهان الملايين من أبناء الشعب السوري مصطلح “الخط الأحمر” إذ مع بداية الثورة السورية بدأ ذلك المصطلح يتردد بكثافة عالية جداً في الإعلام التركي، واعتبر الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان ـ الذي كان في بداية الحراك الثوري السوري رئيساً للوزراء في تركيا ـ أن أي دخول أو هجوم من  قبل جيش نظام بشار الأسد على مدينة حماه أو حمص، وحصول مجزرة ما في المدينتين المذكورتين هو بمثابة خط أحمر، وقال بأنّه لن يسمح بالهجوم على المدينتين مطلقاً، غير أنّ جيش النظام اقتحم مدينة حماه في بداية شهر آب من عام 2011، وقتل في اليوم الأول للاجتياح عشرات الأشخاص حسب نشطاء الثورة السورية، وفرض سيطرته على المدينة بالحديد والنار، فيما صاحب الخط الأحمر لم يحرك أي ساكن فعلي على الأرض يمنع قوات النظام من التقدم، أو يمنعها من ارتكاب المجازر من يومها إلى هذا اليوم.
عموماً يبقى العجيب في أمر الكثير من السوريين الذين لم يجدوا من يستقبلهم كمعارضين لفرعون دمشق وفارين من وحشية زبانيته غير تركيا، وذلك بعد أن ثاروا في وجه الأجهزة الأمنية للنظام الآثم، وحيث أن مَن فتك بالسوريين منذ عقود طويلة هو الأمن السوري، ومن هتك أعراض السوريين هم عناصر الأفرع الأمنية، ومن جرّعوا المواطن السوري شتى صنوف الإهانة والإذلال هم المخابرات، ومَن عيّش الشعب السوري منذ ما قبل الثورة في مناخ إرهابٍ متواصل هو الجهاز الاستخبارتي للنظام، بينما العلاقات الأمنية بين نظام الأسد وتركيا لم تنقطع يوماً وفق وسائل الإعلام، وحيث كان آخر لقاء بين رئيس مكتب الأمن الوطني لنظام الأسد اللواء المساهم في الفتك بالسوريين، ومهندس القمع في النظام السوري، وقائد التعذيب في سجونه، علي مملوك مع حقان فيدان رئيس جهاز المخابرات التركية في موسكو يوم الاثنين الفائت!.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، نحتفل مع الشعب السوري بمختلف أطيافه بالذكرى الأولى لتحرير سوريا من نير الاستبداد والديكتاتورية، وانعتاقها من قبضة نظام البعث الأسدي الذي شكّل لعقود طويلة نموذجاً غير مسبوق في القمع والفساد والمحسوبية، وحوّل البلاد إلى مزرعة عائلية، ومقبرة جماعية، وسجن مفتوح، وأخرجها من سياقها التاريخي والجغرافي والسياسي، لتغدو دولة منبوذة إقليمياً ودولياً، وراعية للإرهاب. وبعد مرور…

إبراهيم اليوسف ها هي سنة كاملة قد مرّت، على سقوط نظام البعث والأسد. تماماً، منذ تلك الليلة التي انفجر فيها الفرح السوري دفعة واحدة، الفرح الذي بدا كأنه خرج من قاع صدور أُنهكت حتى آخر شهقة ونبضة، إذ انفتحت الشوارع والبيوت والوجوه على إحساس واحد، إحساس أن لحظة القهر الداخلي الذي دام دهوراً قد تهاوت، وأن جسداً هزيلاً اسمه الاستبداد…

صلاح عمر في الرابع من كانون الأول 2025، لم يكن ما جرى تحت قبّة البرلمان التركي مجرّد جلسة عادية، ولا عرضًا سياسيًا بروتوكوليًا عابرًا. كان يومًا ثقيلاً في الذاكرة الكردية، يومًا قدّمت فيه وثيقة سياسية باردة في ظاهرها، ملتهبة في جوهرها، تُمهّد – بلا مواربة – لمرحلة جديدة عنوانها: تصفية القضية الكردية باسم “السلام”. التقرير الرسمي الذي قدّمه رئيس البرلمان…

م. أحمد زيبار تبدو القضية الكردية في تركيا اليوم كأنها تقف على حافة زمن جديد، لكنها تحمل على كتفيها ثقل قرن كامل من الإقصاء وتكرار الأخطاء ذاتها. بالنسبة للكرد، ليست العلاقة مع الدولة علاقة عابرة بين شعب وحكومة، بل علاقة مع مشروع دولة تأسست من دونهم، وغالباً ضدّهم، فكانت الهوة منذ البداية أعمق من أن تُردم بخطابات أو وعود ظرفية….