آستانا (14) إدامة للمقتلة السورية..

م.محفوظ رشيد
    بحكم الجوار الجغرافي فإن لتركيا تأثير مميز وفعال في الأزمة السورية والتحكم بمسار الحراك فيها، احتضنت مختلف قوى المعارضة منذ البدايات، وفرضت عليها الطابع العسكري الارهابي، والنهج الأخواني الطائفي الراديكالي، واحتوتها واستخدمتها عملياً في تنفيذ أجنداتها، الأنكى فيها اشراكها في احتلال أجزاء من الأراضي السورية.
    لقد كانت أبرز أهداف تركيا هو منع انتقال موجات “ثورات” الربيع العربي إلى داخلها، ومنع حصول أية تغيرات إيجابية على الأصعدة السياسية والاقتصادية..، ومنع تكرار تجربة العراق الفدرالية الديمقراطية على حدودها وتشكيل كيان كوردي في الشمال السوري، وكذلك لتحسين موقعها ودورها كلاعب اقليمي في ترسيم الخارطة السياسية للمنطقة، وما جاء على لسان أحمد طعمة رئيس وفد الائتلاف في “آستانا” اعتراف واضح وصريح بأنهم جنود أوفياء وتحت الطلب في تنفيذ سياسات تركيا على حساب المصلحة الوطنية والسيادة السورية.
   تكرار الحديث عن زيادة المساعدات الانسانية، والافراج عن المعتقلين والمختطفين، وتسهيل عودة النازحين والمهجرين في جميع جولات “آستانا”، يدل على إدامة المقتلة السورية، وعلى مدى عمق الخلافات بين الأطراف الضامنة على شكل وآليات الحل النهائي للأزمة السورية في ظل استمرار العمليات العسكرية في مناطق خفض التصعيد (إدلب) وشمال شرق الفرات (الادارة الذاتية).
   ظاهرياً، يبدو النظام منتصراً في “آستانا” بالمقارنة مع المعارضة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة سياسياً وعسكرياً وحتى من خلال اللجنة الدستورية، ولكن من منظار مستقبلي، فإن الدولة السورية بأرضها وشعبها ونظامها متجهة نحو مصير مجهول، لأنه مرهون بحقيقة الاتفاقات والصفقات المبرمة بين الأطراف المتصارعة عليها وبمألاتها النهائية ، فتركيا تقضم أراض من حملة لأخرى وتبسط سيطرتها كاملة عليها  ترفع فيها أعلامها وتفرض فيها لغتها وعملتها وقوانينها..، وإيران تعزز حضورها اقتصادياً وعسكرياً بأسلوب آخر، وهما دولتان معارضتان وممانعتان لأمريكا وروسيا اللتان تتنافسان على تقاسم النفوذ على المناطق عبر تواجدهما العسكري على الأرض، وبخاصة روسيا التي تسعى لتأهيل النظام وتثبيت أركانه وفق معاييرها ومصالحها الخاصة.
   تم تشكيل اللجنة الدستورية بعد توافق دول محور “آستانا” تحت غطاء أممي، باعتبارها خطوة على طريق تنفيذ القرار الأممي 2254، ولكن الاختلاف في جدولة الأوليات والأساسيات، وتحديد الآليات والاجراءات، وكذلك على شكل الادارة ومكان انعقاد الجلسات بين وفدي النظام والمعارضة حالت دون انعقاد الجلسة الثانية لاستكمال أعمالها. كما أن نجاح دور الموفد الأممي “غير بيدرسون” يتوقف على توافق الأطراف المشاركة في مؤتمر جنيف ومجلس الأمن  الدولي بالرغم من حضوره الشكلي (شاهد زور) لجولة “آستانا” الرابعة عشرة.
   إن وقف الاجتياح التركي بشكله الحالي غير المؤكد وغير الدائم هو بسبب التواجد العسكري لروسيا وأمريكا في مناطق شمال شرق الفرات بموجب اتفاقاتهما الثنائية مع تركيا، لأن الترتيبات الجارية على الأرض المتغيرة ميدانياً ويومياً تتوقف على طبيعة المستجدات من العوامل والظروف على الساحتين الاقليمية والدولية في ظل تصاعد المعاناة والمآسي والويلات وتفاقمها في المناطق التي احتلتها القوات الغازية التركية والعصابات الارهابية الموالية لها وما تثيرها من ردود أفعال عالمية معارضة ومنددة لها، والتي ترتكب فيها أبشع وأفظع الجرائم من قتل وخطف وتهجير وتدمير..لاجراء تغيير ديموغرافي وفرض واقع جديد مختلف وبديل عن السابق التاريخي الأصيل.
12/12/2019

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…