من يحرّك النزعة العنصرية العروبية ويعيد تنشيط خلايا داعش لإشعال الحرب على الكورد؟

د. محمود عباس

إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن الدولة غنيمة لها؛ وحين يصبح الرمز أهم من دم الإنسان وكرامته وحقه في أرضه، فالمسألة تتجاوز الانحياز الإعلامي إلى قلب الرواية: تهميش الجريمة وتقديم الضحية في موقع المتهم.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي، من يصنع مناخ التحريض، ومن يمنحه الغطاء، ومن يعيد إنتاج النزعة العنصرية والتكفيرية ضد الكورد؟ فحين تتكرر الآلية ذاتها من عفرين إلى سري كانيه، لا يعود كافيًا وصفها بحوادث فردية. والأولى بمن يرفعون الدين شعارًا للسلطة أن يتذكروا: ﴿ولا تحسبنَّ الله غافلًا عمّا يعمل الظالمون﴾؛ فالسلطة لم تدم لطاغية، ومن توهّم أن القوة تمنحه حق احتقار الناس، لن تمنحه القوة حصانة إلى الأبد.

ما يحدث اليوم لم يعد ممكنًا اختزاله في «تجاوزات فردية» أو «انفلاتات عابرة». نحن أمام نمط سياسي وأمني وإعلامي تتقاطع فيه بقايا داعش، ومخلفات العقل البعثي العروبي، وتيارات تكفيرية وعنصرية أعادت إنتاج نفسها تحت أسماء ورايات جديدة، ووجد بعضها منافذ في المشهد السوري الجديد، بل وفي بعض مفاصل السلطة الانتقالية، مستفيدًا من بيئة إقليمية يتقدمها الدور التركي.

الخطر ليس في حادثة هنا أو اعتداء هناك، بل في تحويل العداء للكورد إلى ثقافة سياسية قابلة للتسويق؛ فيصبح الإقصاء وطنية، والعنصرية دفاعًا عن الدولة، والتكفير شرعية. تتغير الشعارات والرايات، لكن عقل الاستبداد يبقى واحدًا ما دام يرى الوطن ملكًا لفئة، والدولة غنيمة لجماعة، والآخرين رعايا عليهم إثبات ولائهم.

والأخطر أن هذا العداء يُمرَّر بازدواجية مكشوفة: لسنا ضد الكورد بل ضد قسد؛ لسنا ضد القضية الكوردية بل ضد الإدارة الذاتية؛ لسنا ضد الشعب الكوردي بل ضد حزب العمال الكوردستاني. لكن لماذا تتكرر الآلة ذاتها كلما ظهرت قوة كوردية منظمة، سياسية كانت أم عسكرية؟ يبدأ التشكيك، ثم التخوين والشيطنة والاتهام بالانفصال والعمالة، وينتهي بالتحريض على العزل والضرب.

والمرجح أن الخطاب ذاته سيُعاد إنتاجه حتى لو عادت بيشمركة روج إلى غربي كوردستان؛ ستتغير الأسماء والذرائع، لأن المعضلة لدى هذه القوى ليست اسم التنظيم، بل وجود قوة كوردية مستقلة قادرة على حماية مجتمعها وفرض حضوره السياسي.

وقد شاهدنا مقدمات ذلك قبل الهجوم على عفرين، وفيما سُمّي بـ«تجمعات العشائر»، وحملات التحشيد والحرب الإعلامية، وعشرات الصفحات والحسابات التي تضخ التحريض العرقي ضد الكورد. ومن الصعب تجاهل تطابق الكثير من مفرداتها وحججها مع الخطاب الذي تبنته الدولة التركية طوال سنوات في مواجهة أي تجربة سياسية كوردية مستقلة.

لا يمكن تغليف هذا المستنقع بلغة دبلوماسية ناعمة؛ فسوريا جديدة لا تُبنى فوق ثقافة كراهية قديمة. ومن يريدها وطنًا لا ساحة انتقام، عليه أن يواجه الوباء العنصري والتكفيري قبل أن يصبح جزءًا من ثقافة الدولة الجديدة. فالدولة التي ترى في الكوردي متهمًا حتى يثبت ولاءه، بينما تمنح الآخرين براءة سياسية مسبقة، لا تؤسس للمواطنة، بل تعيد إنتاج الاستبداد بهوية جديدة.

والمؤسف أن رأس السلطة الانتقالية ساهم في تكريس هذه الازدواجية بتكرار الفصل بين قسد والكورد، وكأن الكورد كتلة سكانية بلا إرادة سياسية، وكأن أي تنظيم كوردي لا يعجب السلطة يمكن فصله تعسفًا عن بيئته. ثم توسعت الشيطنة من «القنديليين» وحزب العمال وقسد إلى التشكيك حتى في تضحيات آلاف الذين سقطوا في مواجهة داعش.

وعندما يتحول الذين قاتلوا داعش إلى متهمين، بينما تعود خلاياه وموروثه الفكري والاجتماعي إلى الحركة في بعض البيئات، يصبح السؤال مشروعًا: من ينتقم ممن؟

لقد أصبح جانب من الخطاب ضد قسد أقرب إلى ثأر سياسي وفكري لداعش منه إلى نقد سياسي مشروع. فالخلاف حول قسد والإدارة وشكل الحكم حق، لكن محو الدور الذي لعبه الكورد وشركاؤهم في مواجهة التنظيم التكفيري، وتحويل من حاربوه إلى الخطر، بالتزامن مع إعادة تدوير أجزاء من البيئة التي أنتجت التطرف، يتجاوز حدود النقد السياسي.

والقوى التي حرّكت موجات الكراهية في كوباني، وحرّضت على المهجّرين الكورد العائدين إلى بيوتهم في سري كانيه بعد سنوات من التهجير القسري، تلتقي في خطابها مع من وفّر الغطاء السياسي والإعلامي لما جرى في عفرين. تتغير الأسماء والواجهات، لكن الجوهر يبقى رفض حضور كوردي منظم ومستقل لا يخضع لمركز القرار الذي تريده أنقرة أو للقوى السورية المرتبطة بسياساتها.

وهنا لا يمكن تجاوز الدور التركي. فتركيا ليست دولة مجاورة تراقب المشهد فحسب، بل كانت طرفًا مباشرًا في صياغة جانب من المعادلات السياسية والأمنية في الشمال السوري، ونقلت صراعها مع القضية الكوردية إلى الداخل السوري، ثم حاولت تقديم نتائجه وكأنها مصلحة وطنية سورية.

ومن اللافت أن تستطيع السلطة الانتقالية تكرار أن «قسد لا تمثل الكورد»، لكنها لا تقول بالوضوح ذاته: مهما كانت خلافاتنا مع قسد والإدارة الذاتية، فإن الكورد مكوّن أصيل من البلاد، ولا يجوز التحريض عليهم أو إنكار حقوقهم القومية والسياسية.

وفي الوقت نفسه، جرى تهميش جانب أساسي من الحراك السياسي الكوردي، ثم تغطية ذلك بعدد محدود من النواب أو الشخصيات التي لا تعكس وزنه السياسي والاجتماعي ولا تنوعه. وهذا ليس حلًا للمسألة الكوردية، بل إخراج شكلي يوحي بأن الكورد حاضرون، بينما تُغيَّب قضيتهم.

لذلك فالسؤال أكبر من قسد والإدارة الذاتية وحزب العمال وبيشمركة روج: هل يُقبل بالكورد شعبًا صاحب قضية وحقوق وإرادة سياسية، أم يُراد لهم أن يكونوا أفرادًا متفرقين يُسمح بحضورهم بشرط تغييب قضيتهم؟

إن أخطر ما قد تواجهه سوريا الجديدة هو إعادة تدوير أمراض سوريا القديمة تحت أسماء ورايات مختلفة. فإذا تحولت العنصرية إلى وطنية، والتكفير إلى شرعية، والتحريض على مكوّن قومي إلى سياسة، فلن نكون أمام دولة جديدة، بل أمام استبداد جديد غيّر لغته ورايته وأبقى جوهره.

ولهذا، فإن مواجهة داعش لا تبدأ فقط بملاحقة خلاياه المسلحة في الصحراء، بل بمواجهة الثقافة التي أنجبته، والخطاب الذي يبرر الإقصاء، والبيئة السياسية التي تعيد إنتاج الكراهية. فمن يزرع هذه الثقافة اليوم، أيًا كان اسمه أو موقعه أو رايته، إنما يزرع بذور الحرب القادمة.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/8/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…