حلم يتحقق في الشوارع

بقلم: هدى مرشدي* 
يبدأ نسيم الصباح في اليوم الأول من العام الدراسي في إيران، وتفوح رائحة أقلام الرصاص والكتب الجديدة التي لم تفتح صفحاتها بعد، وذكريات الطفولة واليوم الأول من التعليم. وأما للأسف، هناك أطفال تركوا اضطرارًا المقاعد المدرسية. انتظروا هذا اليوم، لكنهم لم يصلوا أبداً إلى مدرسة مع طاولات ومقاعد مدرسية مرتبة وجهاز تدفئة وستائر ملونة وخرائط مختلفة كانوا قد رأوها في الكتب، ولم يروها هذه الأشياء عن كثب.
في مدن وقرى إيران، هناك أطفال يخفت لديهم لهيب حب بداية العام الدراسي بسرعة، إذ لم يمكثوا طويلا حتى يجدوا أنفسهم في معامل الطابوق ومصانع السجاد في الحي لتأمين نفقات أسرهم.
في أيام افتتاح المدارس، يدور الحديث من جديد عن عدد الطلاب المحرومين من التعليم، والألم يعتصر قلب كل إيراني بسبب الأطفال المحرومين من الدراسة الذين هم رأس المال ورصيد هذا التراب.
إذا أردنا مناقشة الإحصائيات، فلن نصل إلى أرقام دقيقة، وذلك بسبب عدم شفافية النظام الدكتاتوري الحاكم في إيران، والذي يظهر كل شيء مقلوبًا، ويقلّل من أهميته. ولكن الشيء المثير للاهتمام في هذا هو أن في النظام نفسه ليس هناك أرقام موحدة.
تقدم وزارة التعليم بيانات؛ فيما تعلن منظمة الرعاية الاجتماعية أرقامًا أخرى، والمنظمات الأخرى المعروفة جيداً ومنظمات حقوق الإنسان العامة والمنظمات غير الحكومية تعطي معلومات أخرى. ولعل هذا الاختلاف في الإحصائيات هو علامة على التدهور.
قال تقرير لموقع «رويداد» الإخباري في 14 سبتمبر 2018:
«وفقا لعدد الأطفال والمراهقين في سن التعليم أو المحتاجين إلى التعليم، وعدد الطلاب في العام الدراسي الحالي، يمكن الاستيعاب أن أكثر من سبعة ملايين طفل ومراهق محرومون من التعليم المدرسي في البلاد».
وحسب إحصائيات منظمة الرعاية الاجتماعية، هناك 327،000 طفل محروم من التعليم في طهران فقط.
كما تحتل محافظة سيستان وبلوتشستان رتبة في عدد الأطفال المحرومين من التعليم، وفي سبتمبر الماضي تم الإعلان عن أن عدد الأطفال المحرومين من التعليم في المحافظة هو 120،000.
ومن ناحية أخرى، فإن أعداد أطفال في نفس الوقت ممن يقضون ساعات الدراسة في زاوية من الشارع أو أولئك الذين يتسولون دومًا من المارة أو أولئك الذين يقومون بأعمال سرية في ورش التصنيع ومراكز الخدمة عالية جداً بحيث لا يمكن أن يكون وجودهم مختفيًا عن أنظار الناس وحتى مسؤولي التعليم! 
وذكرت وكالة أنباء إيلنا في تقرير نقلًا عن مسؤولين في «بيت العمال» أو مركز تنسيق ما يسمى بمجالس العمل الإسلامي أن الوضع الحالي، وخاصة الأجور دون خط الفقر أو عدم دفع رواتب العمال لفترة طويلة، قد حوّل هواجس العمال إلى قلق لديهم فيما يخص تأمين القرطاسيات وتكلفة التعليم لأطفالهم وهذا القلق شديد لدرجة أن أطفال هذه العائلات يضطرون إلى ترك المدرسة والدخول إلى سوق العمل على الرغم من عدم رضا أوليائهم عن مساعدتهم في نفقات أسرهم. هؤلاء الأطفال، الذين يتوقون للدراسة ويرغبون في تصور مستقبل زاهر لهم، يتركون الدائرة التعليمية في إيران ويدخلون في أعمال اجتماعية زائفة.
وتجدر الإشارة إلى أنه وفقاً لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 لعام 1973، فإن الحد الأدنى لسن عمالة الأطفال هو 15 سنة، ويجب عدم استخدام الطفل دون سن التعليم الإلزامي.
كما تحظر المادة 79 من قانون العمل في النظام الإيراني المعادي للبشر نفسه، عمل الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة.
ومع ذلك، وبسبب بعض التغييرات المشينة في هذه القوانين، تم تمهيد الطريق لتوظيف الأطفال. في هذه الحالة، يمكن الإشارة إلى المادة 188 من قانون العمل، التي تنص على أن عمل الأطفال في العمل المنزلي ووفقاً للمادة 196 من هذا القانون، لا يحظر عملهم في ورش صغيرة تقل عن 10 أشخاص …
لكن هناك حل لكل هذه المعاناة والفقر والعوز.
في هذا المجتمع الملتهب والطافح كيل صبره، يمكن لغليان المدارس والجامعات من جديد أن يثير عاصفة هائلة لا يمكن لأي قوة أن تمنعها.
لم يشعر النظام الحاكم بالارتياح إطلاقًا من جيل الشباب والمراهقين، والمعلمين المتنفضين والمدارس، التي يمكن لكل منهم أن يكون نقطة للاحتجاج والتمرد.
هذا العام، تحيا الكلمات مرة أخرى على اللوحات السوداء، وتستحضر الواجبات المنزلية، وواجب اليوم، والساعة هو كلمة واحدة بعد الآن:
انتفاضة حتى التحرير مع معاقل الانتفاضة.. 
*كاتبة ايرانية 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ان تصل متاخرا خير من ان لا تصل يمثل بيان الامانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا الصادر بتاريخ 29 حزيران اعترافا سياسيا واضحا بحقائق سبق أن حذر منها عدد من قيادات وكوادر المجلس منذ سنوات بشأن طبيعة العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسياسات الاستفراد وتعطيل الشراكة والالتفاف على التفاهمات. يومها تعرضنا للتشكيك…

عدنان بدرالدين في الحلقة السابقة، كان الحديث عن كردستان الغربية بعد الوهم: كيف تحولت قوة عسكرية كردية واسعة إلى شريك وظيفي في حرب دولية ضد داعش، من دون أن تتحول إلى ضمانة سياسية مستقرة للقضية الكردية في سوريا. كانت تلك الحلقة محاولة لفهم اللحظة التي انكشف فيها الفرق بين القوة والشرعية، وبين السيطرة والتمثيل، وبين التحالف العسكري والاعتراف السياسي. تأتي…

تابعت الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن الاجتماع الذي عُقد في مقر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بمدينة قامشلو بتاريخ 28 حزيران. وقد أدلت السيدة بروين يوسف، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بجملة من التصريحات التي اتسمت بالتناقض، حيث أشارت إلى أن مهمة الوفد الكردي المشترك هي التفاوض مع سلطات دمشق…

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…