الاعلام الكوردستاني في عصر المعلوماتية؟

جان كورد
في 22 نيسان من كل عام نحتفل بذكرى صدور أوّل جريدة كوردية “كوردستان”، أصدرها مدحت باشا بدرخان في مدينة القاهرة المصرية، ولذا نتقدّم في كل عام بالشكر للشعب المصري أولاّ الذي احتضن الفعاليات الكوردية بصدرٍ رحب، رغم عدم رضى أعداء الكورد وكوردستان عنه، وللبدرخانيين الكورد الذين نقلوا عبر نتاجاتهم الثقافية والاعلامية قضية قومهم المضطهد إلى العالم من خلال ذلك العمل الرائد، رغم مسلسل الانكسارات والهزائم القومية أمام الأعداء المتحالفين ضد شعبنا. ونعود لنقول هذه السنة أيضاً للمصريين جميعاً وللاعلام المصري الذي يبدي اهتماماً حاراً بالشأن الكوردستاني عامةً، وكذلك للبدرخانيين ومن على نهجهم القومي الناصع في صورته والمناهض للعنصرية والعبودية: 
نشكركم من قلوبنا نحن المهتمون بنشر هذه القضية العادلة، قضية حرية الأمة الكوردية وكل شعوب الأرض قاطبةً.
إذا ما نظرنا في هذه المناسبة حولنا اليوم، فسنجد ثورةً عالمية في مجال الاعلام، حيث لم يعد الكورد بحاجة للذهاب إلى أي مكانٍ في العالم لطلب الرخصة من أجل نشر معلوماتهم وأفكارهم وتجاربهم السياسية في ظل الاضطهاد الذي خيّم منذ قرونٍ على وطنهم كوردستان، وحيث بإمكان الاعلامي الناشط أن يكتب عما يريد وبأسهل الأساليب للعالم بأسره، من داخل بيته، في استراحة العمل، على ذرى جبلٍ شاهق، في مغارةٍ ما من مغارات كوردستان الواسعة، أو على خطوط المقاومة ضد الغاصبين المحتلين والارهابيين، فالثورة التي جلبها الانترنت معه هي من أعظم الثورات في تاريخ البشرية على الاطلاق، ويتمثّل هذا البركان الهادر في انتشار مواقع التواصل الاجتماعي انتشار النور في الطبيعة، وبذلك لم يعد في مقدور أعداء الحرية عامةً وأعداء الكورد وكوردستان خاصةً كبت صوت هذه الأمة المغلوبة على أمرها، وكم يسعدنا أن نرى كاتباً كوردياً يكتب عن مشاعره بلغته الأم من مدينةٍ في طاجيكستان فيقرأ ذلك بعد طرفة عينٍ من الزمن فقط كوردي آخر في كاليفورنيا أو في إحدى الدول الأفريقية، أو في قريةٍ من قرى كوردستان النائية، فلا رقابة من رقابة الأجهزة الأمنية لأعداء أمتنا ولا حدود ولا مسافات ولا أزمنة تستطيع قطع الطريق علينا وصدّ المعلومات ومنعنا من نشر ما نريد وعن إيصال صور مآسينا وبالبث الحي إلى شتى بقاع الدنيا. 
ورغم هذه الثورة العارمة، فإن الاعلام الكوردستاني عامةً، والذي يتم على الأغلب في عالم التواصل الاجتماعي حالياً، لا يزال يعاني من ندرة الكادر المتخصص في هذا المجال الواسع من النشر والكتابة والتواصل الناجح، ولكن هذا لا يلغي أهمية تمتّع جميع الناس، من مختلف الفئات والثقافات، من كل العقائد والاتجاهات، من الأكثريات والأقليات، من المتعلمين وأنصاف المتعلمين، بحقهم الذي حصلوا عليه في هذا العالم الجديد، عالم التعبير عن الذات في حرية ودون رقابة صارمة، فالحرية والنور والهواء والماء لكل الناس، دون نقضان أو فلترات حكومية، من أهم ما يجب الدفاع عنه في عالمنا هذا، فلكلٍ حقه في أن يكون له موقعٌ ينشر فيه ما يشاء، طالما لايخرج عن حدود الأدب الاجتماعي واللياقة الاعلامية.
الاعلام الكوردستاني بحاجةٍ ماسة إلى كوادر، مع شكرنا وتقديرنا لكل الذين نالوا وينالون الجوائز التقديرية في هذا المجال كل عام، ولتأمين هذه الكوادر لابد من إيجاد معاهد ينال فيها الاعلاميون مزيداً من المعارف الهامة والضرورية لخوض بحور هذا الاختصاص الواسع والضروري لأمتنا التي تسعى لحريتها ولا يمر عام إلاّ وتتعرّض لهجوم أو مأساةٍ كارثيةٍ عظيمة. وحيث أن الحكومات المغتصبة لأرض كوردستان لا ولن تسعى لتأهيل الكادر الكوردستاني الاعلامي الناجح، فإن على حكومة اقليم جنوب كوردستان السعي الحثيث من أجل تطوير برامجها التعليمية وتطويرها في هذا الحقل الهام من حقول العمل السياسي – الثقافي، الاعلامي، المترابط والمتداخل بحيث لايمكن الفصل بين موادها، زراعةً وانتاجاً، وهذا بحاجةٍ إلى تصوّر عام وبرنامجٍ بعيد المدى، وبلغاتٍ ولهجاتٍ متعددة لأن قطاعاً واسعاً من الشباب الكوردي المنتشر بين العديد من الأمصار والأقطار في العالم راغب في أن يطوّر نفسه في هذا المجال الاعلامي، وبخاصة بعد انطلاقة الثورة المعلوماتية التي تضرب بجذورها في أعماق المجتمع البشري يوماً بعد يوم، وليس ببعيدٍ أن يأتي ذلك اليوم الذي لن تطبع المطابع شيئاً على الورق، بل يتم كل شيء عبر الانترنت، وهذا يعني أن عدد الأشجار التي ستقطع من أجل صناعة الورق سيقل كثيراً، وهذا مفيد للطبيعة وللبشرية معاً.
الحكومات الدكتاتورية لا تزال تسيطر على عالم الاعلام في بلدانها وتسيّر البرامج التعليمية في هذا المجال حسب سياساتها، أما الحكومات الديموقراطية فإنها تدع البرامج الخاصة بتطوير السلك الاعلامي للمختصين والخبراء في هذا المجال، وتفتح المجال الرحب لذوي الخبرات بغض النظر عن اهتماماتهم السياسية أو الفلسفية، ومع الأيام تفقد الأحزاب السياسية سيطرتها على الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية لتصبح حرّة وفاتحةً أبوابها للناشطين وذوي الأفكار التي يسعون لنشرها في المجتمع ولأصحاب الابداعات المختلفة، وهذا هو الفارق بين الدكتاتورية والديموقرطية، وعلى الكورد أن يختاروا بين العالمين، وباعتقادي أن الكورد الذين خبروا مختلف صنوف العسف والقهر والعدوان من قبل الحكومات المستبدة بهم والمعادية لطموحهم القومي في الحرية لا بد وأن يختاروا الاعلام في الديموقرطية على الاعلام في سواها من السياسات والسلطات البالية الفاسدة. 
في عصر المعلوماتية العظيم هذا، حيث بإمكان كل إنسانٍ التمتّع بحقه غير منقوص في مجال ابداء الرأي وفي نقل قضيته العادلة عبر شبكات الانترنت إلى شتى الأتحاء، يجب أن تتخلّى الأحزاب الكوردية عن سياسة “لا ننشر إلاّ ما يتفق مع سياساتنا”، فالذي لاتنشر له الأحزاب يجد مجالاتٍ أخرى أوسع ليقول فيها ما يدور على لسانه من أفكار، و”التحزّب الاعلامي” في هذه الثورة، صار في الحقيقة لوناً من ألوان التخلّف عن ركب الحضارة المعلوماتية، وهؤلاء المتحزبون إعلامياً ليسوا سوى أدواتٍ في أيدي أنظمةٍ سياسية، فاشلةٍ على الأغلب، ربما لا تفهم من التطوّر المدهش للاعلام الحديث إلاّ قليلا. 
فدعوا هذا الاعلام المتحزب فإنه نتنٌ مثل العنصرية المقيتة.
  ‏20‏ نيسان‏، 2018
facebook:kurdax.net                          kurdaxi@live.com           

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…