عكاكيز الملالي في قنديل والسليمانية

ماجد ع محمد
في البدء يخال للمرء بأنه من الطبيعي التصور بأن يكون لدى الباحث عن الحرية، أو المناضل في سبيلها، شعور متأصل مدعوم بروح التآزر الضمني لكل مَن كان مثله في التطلعات المتعلقة بمسألة الحرية واستحقاقاتها، وتأييد مَن كان هدفه الانعتاق من جور الأنظمة الاستبدادية ودمويتها، ومن المفروض أن لا يكون الحرُ حجر عثرة أمام مَن يكافح مثله من أجل الحرية والكرامة في مكانٍ ما، فحتى إن لم يستطع الحرُ مساندة حرٍ آخر فيما يصبو إليه، فعلى الأقل أن لا يساند  الباغي بأي شكلٍ من الأشكال، ولا يكون من أنصار الطاغية مهما كان مختلفاً مع قرينه المظلوم في الرؤى والأفكار والتصورات.  كما أنني بعد الانتهاء من قراءة مذكرات المعارِضة الايرانية هنكامة حاج حسن، التي جاءت تحت عنوان: (رحلة العذاب في زنازين الملالي) 
فللوهلة الأولى تصورت بأن أي شخص يناهض الظلم والاستبداد في العالم، من الطبيعي أن يتمنى في دخيلة نفسه تقويض سلطة القمع والاستبداد في أي مكانٍ كان ومن ضمنها دولة الملالي الجائرة، هذا بالنسبة لأي ثائر مناوئ للظلم والعدوان، ولكن يبدو أن تقاطع المصالح لا تجعل الحكومات فقط تغض الطَرف عن انتهاكات نظيراتها من الحكومات والدول، إنما قد ترى حتى الأحزاب والحركات المسماة بالتحررية أيضاً تتبع نفس خطوات الأنظمة والحكومات في هذا المجال. إذ معروف أن حزب العمال الكردستاني له تاريخ طويل وهو في حالة حرب متواصلة  منذ سنوات مع الدولة التركية، بدعوى أنه يحارب الجيش التركي لاستعادة الحقوق القومية للشعب الكردي في تركيا، وهذا يعني بأنها حركة تحررية صرفة، ومن سمات الحركات التحررية أن تساند قريناتها في أية بقعة جغرافية في العالم ولو من خلال الأقوال فقط، هذا إذا لم يكن يربط بينهما أي رابط فكري، سياسي، جغرافي أو ديني، فكيف إذا كان هنالك رابط سياسي وجغرافي وقومي أيضاً، ولا يخفى على كل متابع معرفة أن دولة الملالي تقمع مختلف القوميات وعلى رأسهم الكرد منذ أن استولى الملالي على الحكم في إيران، كما أن تلك الدولة المستبدة تستقطع جزءاً مهماً من كردستان، ودولة الملالي نفسها لا تزال تمد النظام السوري القاتل بالمرتزقة والمجرمين، وتعلّم نظامه النتن شتى الاساليب الوحشية في التعذيب والتنكيل بالمواطنين، وكان من المفروض أن يتم دعم أي تحرك ثوري ضد إرادة الحاخامات في “قم” خصوصاً وأن الطرف المنتفض هو حزب كردي عانى ويعاني من جور نظام الخميني ومَن تسلم بمباركته زمام دولة العسف في طهران، ولكن يبدو أن الشرخ الذي حصل بين السنة والشيعة في عموم المنطقة امتد تصدعه الى الحياة السياسية بين الكرد أيضاً. إذ وحسب موقع روج آفا نيوز أن اجتماعاً سرياً جمع كلاً من جميل بايق والملا بختيار في مدينة السليمانية قائلاً: بأن الطرفان اتفقا على منع أي شكل من أشكال التظاهر للتضامن مع كورد مهاباد في مناطق نفوذهم، بل وحسب الخبر أنهم وصفوا انتفاضة مهاباد بالفوضى والتعدي على الممتلكات الخاصة لجمهورية إيران الإسلامية، حقيقة لا نعرف مدى مصداقية الخبر من عدم صحته، ولكن الذي يرجح هذا الموقف الصادرعن السيد بختيار والسيد بايك، هو أن رديف حزب العمال الكردستاني في سوريا أي حزب الاتحاد الديمقراطي قام الجهاز الامني التابع له أي ” الأسايش”  منذ أيام بمنع اعتصامٍ تضامني مع مدينة مهاباد المنتفضة ضد حكم الملالي، والاعتصام كان قد نظمه الاتحاد النسائي الكوردستاني في بلدة كركي لكي في الجزيرة السورية، وحسب الناشطين أن الأسايش فوق فض الاعتصام اعتدوا على الإعلاميين الذين قاموا بتغطية الحدث . وفي المقابل فلا يخفى على أحد في المنطقة معرفة أن الكويت دولة، والدول عادةً ما تتبع مصالحها السياسية والاقتصادية قبل مواقفها الانسانية تجاه الشعوب المقهورة الخاضعين لحكم هذه الدولة أو تلك، خاصةً فيما يتعلق باتصالاتها وعلاقاتها الدبلوماسية بباقي الدول، ومعروف أن الدول هي الأكثر حرصاً في الحفاظ على علاقاتها بأقرانها، بخلاف الأحزاب أو المنظمات المعارضة التي عادة ما يكون لديها مساحة حرية أكبر في إبداء الأراء والمواقف حيال مسائل حقوق الانسان والحريات من الدول والحكومات. مع ذلك ثمة اتهامات من السلطات الايرانية للكويت بدعمها للمقاومة الأحوازية في إيران، حيث قامت الخارجية الإيرانية مؤخراً باستدعاء القائم بأعمال السفارة الكويتية في طهران احتجاجاً، على ما وصفته بـ”استضافة تجمعاتٍ لمعادين للثورة الإسلامية، واعتبرت طهران أن ذلك التصرف يشكل انتهاك واضح للمبادئ والأعراف الدولية وأنها تتنافى مع أواصر حسن الجوار، ومن جهتها رفضت الكويت اتهامات طهران لها بدعم أية حركات انفصالية إيرانية، مؤكدةً أن السياسة الخارجية الكويتية، واضحة وتعتمد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، ولكن يبقى لدولة الكويت موقفها المشرف في دعم المظلومين ولو بطرقٍ سلمية تقتصر على دعم أنشطة الحركة سياسياً على أراضيها. وبعيداً عن الدوَل والأعراف الدبلوماسية ومصالحها، كان من المتوقع أن نرى حركات التحرر في المنطقة وهي تسارع  ولو معنوياً لنجدة  المقهورين، وتؤيد بقوة أي تحركٍ ثوري ضد الطغاة في الشرق المبتلي بنماذج مختلفة من الدكتاتوريات الدينية والعلمانية، وفي مقدمتهم أسياد ومعلمي الفرعون السوري، أي الملالي في طهران، ولكن الغريب في الأمر أن حزب العمال الكردستاني من خلال “جميل باييك”، مع أحد أقطاب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني أي: “ملا بختيار”، وبدلاً من أن يكونوا السند الطبيعي للحراك الثوري ضد دولة إيران الاستبدادية، تراهم يساندون النظام الايراني القاتل من خلال مواقفهما السياسية المعلنة، وبناءً على مواقفهما المخزية تلك يبدو أنه ليس بغريب عنهما بأن يتطور دعمهما المعنوي للنظام الجائر في إيران يوماً إلى دعم عسكري أيضاً، بما أنهم ارتضوا بأن يكونوا عكاكيز طيعة تستعين بهما طهران متى ما شعرت بأنها بحاجة إلى تلك العكاكيز.
عن ايلاف

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ريزان شيخموس في الثامن من ديسمبر، سقط النظام الأسدي بعد عقود من القمع والاستبداد، وساد الفرح أرجاء سوريا من أقصاها إلى أقصاها. خرج الناس إلى الشوارع يهتفون للحرية، يلوّحون بأعلام الثورة، وتغمرهم مشاعر النصر والكرامة. لقد ظنّ السوريون أنهم طووا صفحة قاتمة من تاريخهم، وأن الطريق بات سالكاً نحو دولة مدنية ديمقراطية تحتضن كل أبنائها دون إقصاء أو تهميش….

د. محمود عباس   عزيزي إبراهيم محمود، قرأت كلمتك التي جاءت إضاءةً على مقالتي، فلم تكن مجرد “ردّ”، بل كانت استئنافًا لحوارٍ أعمق، طالما تهرّبت منه الساحة الثقافية الكوردية، أو تم اختزاله في شعارات مستهلكة، لم أتفاجأ بجرأتك في تسمية الأشياء، ولا بذلك الشجن الفكري الذي يسكن سطورك، فأنت كتبت كمن يعرف أن لا أحد سينقذ هذا الجسد الكوردي من…

بوتان زيباري   في مسرح الشرق الأوسط، حيث تتبارى الإمبراطوريات القديمة والحديثة في نسج خيوط مصائر الشعوب، تبرز سوريا كقماشةٍ ملوّنة بدماء التاريخ وأحلام الثوار، تُحاك عليها سرديات القوة ببراعة الفيلسوف ودهاء المحارب. ها هي أنقرة، وريثة العثمانيين، تُعيد تمثيل مسرحية “الفوضى الخلّاقة” بأدواتٍ أكثر تعقيدًا، حيث تتحول الجغرافيا إلى رقعة شطرنجٍ وجودية، والسياسة إلى فنٍّ مركبٍ لإدارة الأزمات عبر…

سمعنا عن الأحداث من الراديو، وبعدها حاولت الاتصال مع أخي دجوار، الذي كان متواجداً في ملعب قامشلو البلديّ، لكن ردّ عليّ شخصٌ آخر وهو الصديق حسن، قال: إنّ دجوار ترك هاتفه معي..!، وبعدها علمنا أنّ هناك شهداء، حاولتُ الاتصال بالكثيرين وأخيراً اتّصل دجوار من قامشلو. الساعة الرابعة أتى جوان خالد إلى منزلي، وقال: شعبنا يُقتل.. علينا أنْ نفعل شيئاً، ولا…