كُردستانيات 22- هل، نحن الكُرد، أحفاد صلاح الدين الأيوبي ؟

 ابراهيم محمود

 

 لا حفيد إلا بوجود الجد بالمعنى القرابي. تلك بداهة ! أما أن يعرَّف
بالحفيد من خلال الجد، والجد هنا بمثابة القدوة الحسنة، فتلك بلبلة لأصل القرابة،
لا بل ووضعها في إطار يضيّق الخناق على الحفيد، ويسلبه خيارَ التصرف اللائق باسمه
ومن يكون، والكرد الذين يجدون أنفسهم أحفاد صلاح الدين، وهو كردي، ومنذ ثمانية
قرون ونيّف، وفي أسرع تعريف وأوجزه بهم، وهو تعريف يأتي من جهة الذين يريدونهم
مسلمين أكثر من كونهم كرداً، وأبطال إسلام وشهداءه، وليس كردستان طبعاً، الكرد
هؤلاء، إذا أرادوا تأكيد كرديتهم كما همو العرب والفرس والترك، ما عليهم إلا أن
يقولوا دون تردد: لسنا أحفاد صلاح الدين الأيوبي .
استغراق العربي في عربيته، كما هو الفارسي، كما هو التركي من حوله، لا يترك للكردي
سبيلاً، وكل من يشاركه في معاناة إقصائه عن هُويته الفعلية، في أن ينظر إلى الأمام
كغيره .
الموقف من الماضي: بعيده جداً وقريبه كثيراً، وجه مرئي يشكّله الحاضر،
والفخار الذي يتركز على الماضي لشحذ الهمم، يفقد قيمته المسجَّلة، إذا جعل الحاضر
مستقىً مما كان .
العربي، كمثال، إذ يعتز بخالد بن الوليد، بسعد بن أبي وقّاص،
بعبدالرحمن الداخل…كونهم عرباً بداية ونهاية، ربما يُشرَّع له ذلك، ليقتدي بهم.
أقول ” ربما “، لأنهم لم يحملوا وروداً في نشر الإسلام الناطق بلغة الضاد، إنما
تقدموا بالسيف موسّعين حدودهم، وليتعدوا حدود القبائلية التي استنزفتهم كثيراً، كما
هي اليوم، وإن تميّزهم دول لها أعلامها، نظيره الفارسي الذي يجد نفسه في مرآة
ساسانية أو بويهية أو صفوية… ومن خلال أصفهان أو تبريز، أو حتى في بغداد ” حيث
دانت له زمناً “، ونظير هذين: التركي وهو يفتخر بعالي الصوت، بعثمانه الأول، بمن
يُسميه ” محمد الفاتح “، بسليمان القانوني، بأتاتورك… يشفع لكل منهم ماضيه
الامبراطوري، والمبرَّر له أحياناً، رغم الذي تميّز به بسفك دماء الآخرين وتسييد
عنصره على سواه، وما يترتب على ذلك من صعوبة أو عسر في هضم الحاضر ليكون الآتي
سوياً بمفهومه الإنساني، بينما الكردي فإن مجرّد الاعتزاز بمن سمّيت، وكما يريد من
لا يريد لكرديته حضوراً إلا بمقاييسه، يعني الخروج من الحاضر، والحرمان من دخول
تاريخ يُسمّيه باسمه كردستانياً.
والمفارقة الكبرى تتمثل في النتائج: بمقدار
إصرار أولئك على ماضيهم المشرق بتلك العلامة، يكون الصدام مع الكردي وغيره، لأن
صلاح الدين الأيوبي ليس أكثر من اسم، وقد أقصيَ عن موقعه الجغرافي، لنكون هنا إزاء
ثنائية السيد والعبد، وربما يكون التصرف الأمثل لهم جميعاً، هو في التحرر الكلّي من
الماضي: من ذكرتهم، وهم يطهّرون أنفسهم من لوثة الامبراطورية، واحتواء الآخر بكل ما
يملك، والسعي في الاقتداء كارثة أخلاقية، والكردي، وهو يبقي المقدَّم جداً، قدوة
حسنة بالمعيار الإسلامي حصراً، وليس عبر شراكة فعلية، ليكون قدوة نفسه، خصوصاً حين
يتلمس هذا التنافس بين المعنيين بالتاريخ الإسلامي بوصفه تاريخاً يحمل إمضاءة
عربية، فارسية، تركية، بينما الكردي، ومن منطلق غيرته العجائبية، يستفرد بالإسلامية
فقط .
إزاء ذلك، يمكن للذين ينتمون إلى الأرومات الأخرى، وباعتبارهم مسلمين، أن
يفيدوني أكثر، بما أنهم ما كانوا ينسون في المجمل نسَبهم وحسبهم، وما عليهم فعله
لأحفادهم. كانت مدنهم التي لما تزل قائمة تشكّل عناوينهم التي لم تتبدل، وهي تدل
عليهم أحياءً وأمواتاً حتى اللحظة .
نعم، من حق المسلم أن يتباهى باسم صلاح
الدين الأيوبي، ويمنحه ألقاباً تترى، وهو لا ينسى من يكون اثنياً، أو ربما يتحدث
بالطريقة هذه مقهوراً مهدور الانتماء، لكن الكردي الكردي، ما الذي يحفّزه على
التباهي بذلك ؟ وحتى على أرض الواقع، أي كردَّية تحققت وتنمقت وتألقت فيما قام به،
وقد وزع مناطق جغرافية كاملة على أفراد أسرته: الملوك السادة: العزيز، الظاهر،
الظافر، المفضَّل، إلى جانب أخيه ” العادل “، وحتى ابنته ” خاتون “… ما بين حلب
ودمشق وبيروت والكرك ومصر…الخ، لقد شرب هو، وأفراد أسرته أكثر، الشراب المقطّر
والمعتَّق، فأي ذهنية جوفاء عوجاء، تدفع بي إلى السكَر أو الطرب مع سكرة هؤلاء ؟ أم
هو الجحود الذي يحول دون إظهار فرح يؤكّد ” أمميتي ” الدينية، حتى لو أنها أودت بي
سريعاً ؟
أي احتفاء يجاز هنا لهذا الكم الكردي الكبير وقد أُطلِقوا، كما السيل
في صحراء، بخّرته سريعاً؟
وربما كان هناك ما يواجهنا بما يجري التكتم عليه بصدد
صلاح الدين الأيوبي، وفي شخصيته بالذات سيكولوجياً، وهو احتمال شعوره بلذة الغريب
واشتهاء الغريب والانتشاء برؤية الغريب، وذلك خارج مسقط رأسه، هو ومن أتوا بعده،
حتى لو أن ذلك صهَّرهم في أتون الغريب عينه .
أليس من المخجل حقاً، أن ينبري هذا
الكاتب أو الباحث العربي، مثلاً، وهو محق في المنحى العائد إليه، لمساءلة ما قام به
الأيوبيون، وتنازعوا فيما بينهم، ليكون الانتماء إلى دار الإسلام، أو العروبة
ذاتها، دون أن أقلّل من فاعلية السلطة بطابعها الكردي، من خلال أفراد أسرته وفي
محيط عربي عموماً، وكما هو مرغوب فيه” الخدمة التي قدَّمها الأيوبي للعرب
وباعتبارهم محسوبين على السنّة أكثر، والشافعية علامة مجازة بجلاء هنا، خدمة لا
تقدَّر، لحظة الإطاحة بالدولة الفاطمية: الشيعية، وإحلال المذهب السني الشافعي، ولا
بد أن استعادة الأيوبي من قبل الإسلام السني والسعودي خصوصاً لها مغزى واضح هنا،
ليكون التعظيم في شخص البطل الإسلامي السنّي الشافعي والكردي ملحقاً به ” وتكون
الكردية في خانة التهميش أو دونها؟ أكثر من ذلك، ليكون هذا الهدر الديموغرافي
محسوباً على الأيوبيين أنفسهم، ولهم الحق مجدداً في ذلك، لأنهم ” هم والآخرون ” لم
يألفوا سلوكاً ” شاذاً ” من هذا القبيل، فلا بد أن هناك مخططاً يخدم فعل الخروج من
دائرة الجغرافيا الكردية . تُرى، لو ” لو ” كان هناك شخص من أفراد أسرته ملكاً على
تكريت أو رقعة جغرافية كردية، هل كان الوضع سيستمر هكذا؟
أتراها الفحولة الكردية
وتجليات شهواتها وراء هذا الانتشار والبحث عن شهرة قانصة ؟
ما أشد الحاجة إلى
إخراج الرأس الكردي المضغوط عليه من التاريخ، ليعاين هول تاريخه تالياً!
إنه
الرهان الوحيد الأوحد، دونه، لن يكون في الأفق المنظور، وكما هو قائم، سوى المزيد
من سفك الدماء، فالكرة في مرمى من سمّيتهم، وعلى الكردي أن يدخل اللعبة بصفته
كردياً حصراً.

دهــــــــوك

 

ملحوظة:

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين ياسادة الافاضل : اليوم نتحدث عن قضية حساسة ومهمة وهي قضية نقل فلاحي الغمر الى الجزيرة السورية ( واطلق عليها الشوفينيون في الاونة الاخيرة الجزيرة العربية ) ، ثم مصادرة الاراضي من الفلاح الكردي واعطائها لفلاحي الغمر وذلك عام 1973(( خصصت القيادة القطرية 10ملايين ل .س . لنقل فلاحي الغمر الى الجزيرة حزيران 1973 )) طبعا عارضها البارتي…

نظام مير محمدي *   إذا أمعنا النظر في سلوك وخطاب أقطاب النظام الحاكم في إيران هذه الأيام، سنجد مفردة واحدة تتكرر أكثر من غيرها: “الشارع”. فمن الاستنفار الدائم للأجهزة الأمنية وقوات القمع لإبقاء البسيج في الميادين، وصولاً إلى صرخات الملالي عبر منابر صلاة الجمعة التي تشدد على ضرورة احتلال الشوارع بقواتهم، كل ذلك يعكس هلعاً عميقاً ومتجذراً. ولكن، لماذا…

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….