عدنان بدرالدين
إذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت إيران بوصفها مثالًا على أزمة لا تستطيع الحرب أن تمنحها خاتمة سياسية واضحة، فإن حالة كردستان الغربية تكشف الوجه الآخر لهذه الحروب: حين لا يُحسم الصراع بين القوى الكبرى، لا تبقى النتائج معلّقة في الفراغ، بل تُعاد كلفتها إلى الأطراف الأضعف. وفي سوريا، كان الكرد أحد أكثر هذه الأطراف تعرضًا لهذا النوع من إعادة توزيع الخسائر.
لم تكن مأساة كردستان الغربية أن مشروعًا قوميًّا واضحًا وصل إلى عتبة الاعتراف، ثم جرى التخلي عنه في لحظة تسوية قاسية. المأساة أعمق من ذلك وأكثر إيلامًا: أن بنية حزبية- عسكرية أوجلانية، نشأت في ظل تفاهمات ملتبسة مع نظام الأسد، ثم أُعيد تقديمها أمريكيًا في صيغة «قوات سوريا الديمقراطية» خلال الحرب على داعش، استطاعت لسنوات أن تحتكر صورة كردستان الغربية أمام العالم، من دون أن تمثل مشروعًا كرديًا جامعًا، أو تبنيا واضحا لحقوق الشعب الكردي القومية.
لذلك فإن ما يجري اليوم ليس فقط مقايضة بالشعب الكردي في سوريا، بل انكشاف للوهم الذي رافق تلك المرحلة كلها: وهم أن سلطة أمر واقع يمكن أن تتحول إلى شرعية سياسية، وأن تحالفًا عسكريًا تكتيكيًا يمكن أن يصبح ضمانة تاريخية، وأن خطابًا أوجلانيًا عابرًا للقوميات يستطيع أن يحمي قضية قومية لم يعترف بها أصلًا في لغته وأسمائه ومفاهيمه.
لم تكن «الإدارة الذاتية» اسمًا كرديًا. ولم تكن «قوات سوريا الديمقراطية» اسمًا كرديًا. ولم تكن «وحدات حماية الشعب» أو «وحدات حماية المرأة» تعلن نفسها بوصفها جيشًا قوميًّا كرديًا. بل إن الخطاب الأوجلاني ظل يصرّ على أنه لا يمثل مشروعًا كرديًا خاصًا، وإنما مشروعًا «ديمقراطيًا» عابرًا للقوميات والأديان والحدود. ومع ذلك، جرى تسويق هذه البنية طويلًا بوصفها الإنجاز الكردي الأكبر في سوريا الحديثة.
هنا بدأ الخلل. فقد وُضعت القضية الكردية في سوريا داخل إطار لا يعترف بها كما هي: قضية شعب حُرم طويلًا من حقوقه اللغوية والثقافية والسياسية، وتعرض للإنكار والتهميش، وكان يحتاج إلى مشروع وطني كردي-سوري واضح، لا إلى سلطة حزبية مغلقة تتحدث باسم الجميع من دون تفويض.
من تسليم النظام إلى «الخط الثالث»
لم ينتزع حزب الاتحاد الديمقراطي، بوصفه الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، المناطق الكردية من نظام الأسد عبر مواجهة مفتوحة. لقد تسلم مساحة واسعة من الحركة داخل تلك المناطق في لحظة كان النظام مضطرًا فيها إلى إعادة توزيع قواته، والتفرغ لحماية دمشق والمناطق الساحلية ومراكز السلطة الأكثر أهمية بالنسبة إليه.
لم يكن ذلك مجرد تفصيل. فالنظام، وهو يخفف حضوره المباشر في المناطق الكردية، كان يحقق أكثر من هدف في وقت واحد. عزل المناطق الكردية عن المعارضة السورية التي كانت تتصاعد ضده. وأعاد استخدام ورقة حزب العمال الكردستاني في مواجهة تركيا التي بدأت، بعد تردد، بدعم أطراف واسعة من المعارضة السورية، بما في ذلك جماعات الإسلام السياسي. كما ضمن، إلى حد كبير، أن لا يتشكل في المناطق الكردية مشروع قومي مستقل قادر على ربط القضية الكردية بمشروع سوري ديمقراطي أوسع.
في تلك اللحظة، رُفع شعار «الخط الثالث». بدا الشعار، ظاهريًا، محاولة للوقوف بين النظام والمعارضة. لكنه عمليًا لم يكن حيادًا. ففي سياق ثورة واسعة ضد نظام استبدادي، وفي ظل تسليم مناطق كردية جزئيًا لبنية حزبية لها تاريخ طويل من العلاقة الملتبسة مع دمشق، كان «الخط الثالث» أقرب إلى عزل الكرد عن الموجة العامة للمعارضة، ومنعهم من إنتاج موقعهم المستقل داخل التغيير السوري.
لم يكن المطلوب أن يذوب الكرد في معارضة عروبية-إسلامية لم تكن هي الأخرى بريئة من النزعات المركزية والإنكارية. لكن المطلوب كان أن يصوغ الكرد موقعًا سياسيًا مستقلًا وواضحًا: ضد الاستبداد، وضد الإنكار القومي، وضد تحويل المناطق الكردية إلى ورقة في يد النظام أو في يد أي تنظيم عابر للحدود. هذا ما لم يحدث.
قسد: صيغة وظيفية لا مشروع تحرر قومي
حين ظهرت قوات سوريا الديمقراطية، لم تكن ولادة مشروع كردي جديد، بل ولادة صيغة أمريكية عملية لحاجة عسكرية محددة. كانت واشنطن تريد قوة برية فعالة في الحرب ضد داعش، لكنها لم تكن تريد أن تظهر هذه القوة بوصفها امتدادًا مباشرًا لحزب العمال الكردستاني المدرج على لوائح الإرهاب في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا. لذلك كانت «قسد» صيغة مناسبة: غطاء أوسع، اسم غير كردي، مشاركة عربية وسريانية بدرجات مختلفة، ووظيفة واضحة في الحرب على داعش.
هنا لا يصح القول إن الولايات المتحدة خانت وعدًا سياسيًا كبيرًا للكرد. الأدق أنها لم تقدم أصلًا مثل هذا الوعد. منذ البداية، كان الخطاب الأمريكي واضحًا في جوهره: التعاون مع قسد عسكري وتكتيكي، مرتبط بالحرب على داعش، وليس اعترافًا بمشروع سياسي كردي أو التزامًا بحماية كيان ذاتي دائم في شمال وشرق سوريا.
المشكلة لم تكن في غموض واشنطن وحدها، بل في قراءة القيادة الأوجلانية لهذا التعاون كما لو أنه يمكن أن يتحول، بطول الزمن وكثرة التضحيات، إلى اعتراف سياسي. لكن السياسة الأمريكية لا تعمل بهذه الطريقة. فواشنطن لا تكافئ دائمًا الشريك المحلي بقدر تضحياته، بل بقدر استمرار حاجتها إليه. وحين تتراجع الحاجة أو تتغير الأولويات، يتحول الشريك نفسه إلى ملف قابل لاعادة النظر فيه.
لقد قاتلت قسد داعش، وقدمت تضحيات كبيرة في معارك صعبة. هذه حقيقة لا يجوز إنكارها. لكن التضحية العسكرية شيء، والشرعية السياسية شيء آخر. قد تنتصر في معركة، وتخسر موقعك على طاولة التسوية. وقد تكون القوة البرية الأكثر فاعلية في لحظة ما، ثم تصبح عبئًا سياسيًا عندما تبدأ الدول الكبرى بإعادة ترتيب مصالحها.
هذا ما حدث تقريبًا. لم تتحول قسد إلى ضمانة كردية، لأنها لم تكن مصممة أصلًا لهذا الدور. كانت أداة حرب، لا عقدًا سياسيًا. وكانت شريكًا وظيفيًا، لا حليفًا استراتيجيًا بالمعنى الذي تخيلته الدعاية الأوجلانية.
الإدارة الذاتية: سلطة أمر واقع لا مشروعًا كرديًا
من الخطأ التعامل مع الإدارة الذاتية بوصفها مشروعًا كرديًا صافياً جرى التخلي عنه لاحقًا. فهي لم تكن كذلك لا في اسمها، ولا في خطابها، ولا في بنيتها، ولا في ممارساتها. كانت سلطة أمر واقع تشكلت في ظروف انهيار الدولة، واستفادت من انسحاب النظام، ومن ضعف المعارضة الكردية، ومن الغطاء العسكري الأمريكي لاحقًا، ومن الحاجة الدولية إلى قوة برية ضد داعش.
لا يعني ذلك أن كل ما جرى في مناطق الإدارة كان بلا قيمة. فقد شهدت تلك المناطق قدرًا من الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق سورية أخرى، وظهرت فيها محاولات لبناء مؤسسات محلية، وجرى الاعتراف باللغة الكردية في الفضاء العام وهو أمر كان يستحيل حدوثه في عهد الدولة السورية المركزية القديمة. لكن المشكلة أن هذه العناصر وُضعت داخل إطار حزبي ضيق، غير منتخب فعليًا، ومحكوم بأيديولوجيا أوجلانية لا تعبّر عن الإجماع الكردي السوري.
حتى التعليم باللغة الكردية، وهو مطلب مشروع من حيث المبدأ، جرى التعامل معه بطريقة مغامرة. فبدل أن يكون جزءًا من مشروع تربوي مدروس، معترف به، قائم على كوادر مؤهلة، ومندمج في رؤية تحفظ مستقبل الأطفال، تحول إلى أداة لأدلجة الحياة الثقافية الكردية. دُفع عشرات الآلاف من الأطفال إلى مدارس لا تحظى باعتراف داخلي أو خارجي، في ظل نقص الكوادر، واضطراب المناهج، وغياب الضمانات. وهكذا وجد الأهالي أنفسهم أمام خيار قاسٍ: إما الدفاع عن حق لغوي مشروع، أو الخوف على مستقبل أبنائهم الدراسي.
لم تكن المشكلة في تدريس الكردية، بل في الطريقة التي جرى بها تحويل هذا الحق إلى جزء من مشروع حزبي. فاللغة الكردية حق، وليست ملكًا لتنظيم. وهي تحتاج إلى حماية دستورية وتربوية، لا إلى فرض أيديولوجي يربطها بصورة قائد، أو خطاب، أو حزب.
أما في المجال السياسي، فقد تعاملت الإدارة مع كثير من معارضيها الكرد بقسوة واضحة. أُغلقت مكاتب، واعتُقل ناشطون، وتم إختطاف القصر وتجنيدهم، وضُيّق على أحزاب، وأُقصيت أصوات مستقلة، وجرت مصادرة المجال العام باسم الثورة والديمقراطية. وبذلك تحولت الإدارة التي ادعت تمثيل التعدد إلى سلطة لا تحتمل تعددًا كرديًا حقيقيًا داخل بيتها نفسه.
هنا يصبح السؤال ضروريًا: كيف يمكن لمشروع لا يقبل بالمعارضة الكردية داخله أن يمثل قضية الكرد أمام العالم؟ وكيف يمكن لسلطة لا تعترف بالتعدد السياسي الكردي أن تطالب الآخرين بالاعتراف بالتعدد القومي في سوريا؟
تركيا واستثمار الذريعة
كانت تركيا منذ البداية الطرف الأكثر رفضًا لصعود حزب الاتحاد الديمقراطي وقسد. لكن الخطأ هو تصوير الموقف التركي كأنه قام على عداء مجرد لأي حق كردي فحسب. هذا جزء من الحقيقة، لكنه ليس كلها. فقد منحت العلاقة العضوية بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني أنقرة ذريعة قوية لتقديم كل ما يجري في شمال وشرق سوريا بوصفه خطرًا مباشرًا على أمنها القومي.
هذه الذريعة لم تكن مختلقة بالكامل. فالمشروع الأوجلاني السوري لم يستطع، أو لم يرد، أن يقدم نفسه كمشروع كردي سوري مستقل عن قنديل. بقيت الرموز، والخطاب، والبنية التنظيمية، والمرجعية العقائدية، كلها تشير إلى امتداد واضح يتجاوز الحدود السورية. وهكذا دُفعت القضية الكردية في سوريا إلى دفع ثمن صراع أكبر بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.
تركيا لم تكن تريد منع قيام دولة كردية فقط، بل منع نشوء نموذج سياسي كردي مستقر على حدودها. وقد وجدت في الطابع الأوجلاني للمشروع ما يساعدها على تحقيق هدفها: إقناع الغرب بأن المشكلة ليست حقوق الكرد السوريين، بل تمدد حزب العمال الكردستاني. ومع أن هذا التوصيف التركي كان يستخدم لتبرير سياسات قمعية وتدخلات عسكرية واسعة، إلا أن المشروع الأوجلاني سهّل عليه المهمة بدل أن يصعّبها.
هنا يظهر أحد أعمق أخطاء القيادة الأوجلانية: أنها لم تميز بين القضية الكردية في سوريا وبين أجندة حزب العمال الكردستاني. وبذلك جعلت حقوق الكرد السوريين رهينة صراع إقليمي أكبر منهم، وأقسى من قدرتهم على تحمّل نتائجه.
واشنطن: استعمال مؤقت لا تحالف دائم
في السياسة الأمريكية، لا يُقاس الشريك المحلي بما قدمه من تضحيات، بل بما يقدمه من وظيفة. هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل توصيف قاسٍ لطبيعة القوة الإمبراطورية حين تتعامل مع الأطراف الصغيرة. تستخدمهم حين تحتاج إليهم، تمنحهم السلاح والغطاء واللغة الدبلوماسية، ثم تعيد تصنيفهم أو تتخلى عنهم عند أول منعطف يجرح مصالحها الكبرى.
الكرد يعرفون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم، ومع ذلك يتكرر الرهان نفسه في كل مرحلة تقريبًا. تتحول القوة الخارجية إلى «مخلّص»، ثم إلى ضامن، ثم إلى شاهد صامت على الخسارة. حدث ذلك في أكثر من محطة من التاريخ الكردي الحديث، وها هو يتكرر في سوريا بصيغة جديدة.
واشنطن لم تكن معنية ببناء مستقبل سياسي كردي في سوريا. كانت معنية بهزيمة داعش، واحتواء إيران جزئيًا، وإدارة علاقتها الصعبة مع تركيا، ومنع روسيا ونظام بشار الأسد من احتكار الملف السوري بالكامل. في هذا الحساب، كانت قسد مفيدة. لكنها لم تكن مقدسة. وحين تتغير موازين الأولويات، يصبح الشريك المفيد قابلًا للاستبدال أو الدمج أو التخفيض.
المشكلة أن الدعاية الأوجلانية قرأت الصور مع الجنود الأمريكيين كأنها بداية اعتراف، وقرأت فتح ممثليات في الخارج كأنها الطريق إلى الشرعية، وقرأت صمت واشنطن على التمدد العسكري كأنه وعد سياسي. لكن السياسة لا تُبنى على الصور، ولا على الشارات، ولا على المجاملات، بل على العقود والضمانات والمصالح الصلبة. وهذه كلها لم تكن موجودة.
حين تُدار الحروب لا تُحمى القضايا الصغيرة
هنا يتضح موقع الكرد السوريين داخل منطق هذه الثلاثية. فحين تُدار الحروب بدل أن تُحسم، لا تنتج هذه الإدارة فراغًا محايدًا، بل تنتج إعادة توزيع غير معلنة للكلفة. القوى الكبرى تحتفظ بهوامشها، والدول الإقليمية تفاوض على مصالحها، والأنظمة تسعى إلى استعادة مواقعها، أما الحركات الصغيرة والشعوب بلا دولة فتجد نفسها مطالبة بدفع ثمن تحولات لم تُدعَ إلى تقريرها.
بهذا المعنى، لا تنفصل مأساة الشعب الكردي في سوريا عن أزمة إيران، ولا عن إعادة ترتيب الشرق الأوسط كله. إنها إحدى نتائج المرحلة التي تعجز فيها الحروب عن إنتاج حل، لكنها تنجح في إعادة توزيع الخسائر. وفي هذه المعادلة لا تُكافأ القضية بعدالتها، بل بقدرة أصحابها على تحويل عدالتها إلى قوة سياسية، وضمانات، وتحالفات لا تنهار عند أول منعطف.
وهذا ما لم يحدث في الحالة الكردية السورية. فقد امتلك الكرد قضية عادلة، وقدمت مناطقهم تضحيات كبيرة، لكنهم لم يمتلكوا تمثيلًا موحدًا، ولا ضمانة دولية، ولا مشروعًا سياسيًا سوريًا–كرديًا مستقلًا بما يكفي للخروج من أسر الاستخدام الوظيفي. لذلك جاءت لحظة التسوية لا بوصفها مكافأة، بل بوصفها امتحانًا قاسيًا لكل ما لم يُبنَ في الوقت المناسب.
ضعف البدائل الكردية
لم يكن صعود سلطة الأمر الواقع الأوجلانية نتيجة قوتها الذاتية وحدها، بل كان أيضًا نتيجة ضعف البدائل الكردية المنظمة. فقد عجزت الحركة الكردية التقليدية، والمجلس الوطني الكردي على وجه الخصوص، عن بناء مركز سياسي واجتماعي قادر على موازنة نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي.
كان المجلس الوطني الكردي، في لحظة تاريخية حساسة، مطالبًا بأن يكون أكثر من تجمع حزبي تقليدي. كان عليه أن يتحول إلى إطار وطني واسع، قادر على تمثيل كوباني وعفرين والجزيرة وكرد دمشق واللاذقية، لا أن يبقى أسير محاصصات حزبية ضيقة، واتكالية مفرطة على الخارج، وردود فعل بطيئة أمام سلطة أمر واقع تتمدد بسرعة.
في هذا الفراغ، ازدادت قوة الأوجلانيين. لم تكن قوتهم دائمًا في التفاف شعبي واسع حولهم، بل في ضعف خصومهم، وفي احتكارهم للسلاح، وفي قدرتهم على ملء الفراغ بسرعة، وفي استفادتهم من الفوضى السورية الكبرى. وحين لا توجد قوة سياسية بديلة قادرة على التنظيم والحماية والتفاوض، يصبح الطرف الأكثر انضباطًا وتسليحًا هو الممثل العملي، حتى لو لم يكن الممثل الشرعي أو الأكثر قبولًا.
كما أن القوى الكردية خارج سوريا، وفي مقدمتها إقليم كردستان العراق، تعاملت مع الملف السوري بحذر شديد، كان مفهومًا في بعض أسبابه، لكنه لم ينتج سياسة قادرة على حماية التعدد داخل الساحة الكردية السورية. فقد غلب منطق الوساطة والتهدئة على منطق بناء توازن سياسي حقيقي، وبقيت الاتفاقات الكردية المتكررة بلا تنفيذ، فيما واصلت سلطة الأمر الواقع توسيع نفوذها على الأرض.
لا يمكن تجاهل حساسية موقع إقليم كردستان نفسه، المحاصر بين تركيا وبغداد وطهران ودمشق، ولا يمكن إنكار ما قدمه الإقليم لمئات الآلاف من اللاجئين الكرد السوريين من رعاية واستضافة وفرص عمل وتعليم. لكن ذلك لا يمنع القول إن مقاربته للملف الكردي السوري لم تستطع منع اختلال التوازن الداخلي. فقد جرى التعامل طويلًا مع سلطة الأمر الواقع بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه، بينما بقيت القوى الكردية الأخرى ضعيفة، مشتتة، ومعتمدة على اتفاقات لم تمتلك أدوات تنفيذها.
لا تتحمل جهة واحدة وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأمور. فقد اجتمع احتكار أوجلاني للقرار، مع استخدام أمريكي وظيفي، ومعارضة كردية ضعيفة، ومقاربات كردستانية حذرة لم تنتج توازنًا فعليًا، ليجد الشعب الكردي في سوريا نفسه في النهاية أمام لحظة انكشاف قاسية.
دمشق الجديدة وعودة المركز
اليوم، ومع تراجع الوزن السياسي لقسد والإدارة الذاتية، يعود السؤال إلى الدولة السورية. لكن أي دولة؟ وهل تكون عودة المناطق الكردية إلى مؤسسات الدولة الجديدة عودة إلى عقد وطني جديد، أم إلى مركزية قديمة بواجهة مختلفة؟
ليست المشكلة في أن يكون الكرد جزءًا من سوريا. فهم، أقله خلال القرن الأخير، كذلك تاريخيًا وجغرافيًا وسياسيًا. المشكلة في أن تُطلب منهم العودة إلى دولة لا تعترف بهم إلا كأفراد، لا كشعب له خصوصية لغوية وثقافية وحقوق سياسية. المشكلة في أن يجري دمج المناطق الكردية في مؤسسات الدولة من دون ضمانات دستورية واضحة، ومن دون أن يمتلكوا الحد الأدنى من إدارة حقيقية لشؤونهم، ومن دون حماية للغة الكردية، ومن دون تمثيل عادل في الجيش والأمن والإدارة.
إذا كان المطلوب هو إنهاء سلطة الأمر الواقع الأوجلانية، فهذا لا ينبغي أن يعني إنهاء المسألة الكردية. وإذا كان المطلوب هو دمج المؤسسات، فهذا لا ينبغي أن يتحول إلى محو كل ما يتعلق بالحقوق القومية. فالدولة العادلة لا تستعيد الأرض فقط، بل تعيد تعريف علاقتها بسكانها. وسوريا التي تريد أن تتجاوز ماضيها لا تستطيع أن تعود إلى لغة «المواطنين المتساوين» بوصفها ستارًا لإنكار التعدد القومي.
هنا تكمن الخطورة. فقد يستغل المركز الجديد فشل التجربة الأوجلانية ليقول إن القضية الكردية نفسها كانت وهمًا، أو أن مطالب الكرد لم تكن سوى غطاء لحزب العمال الكردستاني. وهذا سيكون ظلمًا جديدًا. ففشل سلطة أمر واقع لا يلغي عدالة قضية شعب. وانتهاء دور قسد لا يعني انتهاء حق الشعب الكردي في الاعتراف الدستوري واللغوي والسياسي.
الضحية: الشعب لا السلطة
الضحية الحقيقية ليست «الإدارة الذاتية» بوصفها سلطة، ولا قسد بوصفها بنية عسكرية، ولا حزب الاتحاد الديمقراطي بوصفه تنظيمًا. الضحية الحقيقية هي الشعب الكردي في سوريا، الذي وجد نفسه مرة أخرى بين سلطة حزبية لا تمثله بالكامل، ومعارضة سورية لم تطمئنه، ودولة مركزية لم تعترف به، وتركيا ترى في كل تعبير كردي خطرًا، وولايات متحدة تتعامل معه بمنطق الاستعمال المؤقت.
خسر الكرد السوريون سنوات كان يمكن أن تُستثمر في بناء تمثيل قومي ديمقراطي مستقل. وخسروا آلاف الشباب بين الحرب والهجرة والتجنيد. وخسروا جزءًا كبيرًا من ثقتهم بالسياسة. وخسروا فرصة تحويل التعاطف الدولي مع تضحياتهم في الحرب ضد داعش إلى مكاسب دستورية حقيقية. وربما الأخطر أنهم خسروا، أو كادوا يخسرون، القدرة على التمييز أمام العالم بين حقوقهم المشروعة وبين مشروع حزبي عابر للحدود تكلم باسمهم من دون أن يكون ممثلا حقيقيا لطموحاتهم.
ومع ذلك، ليست القضية الكردية في سوريا منتهية. الذي ينتهي اليوم هو وهمٌ سياسي، لا حق تاريخي. تنتهي فكرة أن سلطة أمر واقع تستطيع وحدها أن تصنع شرعية. وتنتهي فكرة أن أمريكا يمكن أن تكون ضامنًا لقضية لم تعترف بها سياسيًا. وتنتهي فكرة أن الشعارات العابرة للقوميات يمكن أن تحمي شعبًا يحتاج أولًا إلى اعتراف واضح بوجوده.
لكن القضية نفسها ستبقى. ستبقى لأن الكرد في سوريا ليسوا طارئين على البلاد. وستبقى لأن الإنكار لا يصنع وطنًا. وستبقى لأن أي سوريا جديدة لا تعترف بتعددها القومي والثقافي ستعيد إنتاج الأزمة بأشكال أخرى، حتى لو اختفت أسماء الأحزاب والقوات والإدارات الحالية.
ما بعد الوهم
ما يحتاجه الكرد السوريون اليوم ليس الحنين إلى تجربة انتهت شروطها، ولا الشماتة بسقوط وهم ساهم في إضعافهم، بل بناء سياسة جديدة أكثر تواضعًا ووضوحًا. سياسة تعترف بأخطاء المرحلة السابقة، وتفصل القضية الكردية في البلاد عن أجندات التنظيمات العابرة للحدود، وتخاطب السوريين بلغة الحقوق لا بلغة الأمر الواقع، وتدافع عن الاعتراف الدستوري باللغة والهوية والحقوق والتمثيل العادل.
لا يمكن العودة إلى ما قبل 2011، ولا يمكن الاحتفاظ بما بعد 2014 كما كان. المرحلة الجديدة تحتاج إلى عقل سياسي مختلف: لا يراهن على المخلّص الخارجي، ولا يسلّم أمره لقوة حزبية مغلقة، ولا يكتفي بانتظار ما تقرره العواصم. فالحقوق لا تُحمى بالتمنيات، ولا بالصور مع الجنرالات، ولا بالشعارات الكبرى، بل بمشروع سياسي واقعي، وبوحدة داخلية أوسع، وبقدرة على التفاوض، وبخطاب يربط العدالة الكردية بمستقبل سوريا كلها.
في الحلقة الأولى من هذه الثلاثية، كانت إيران مثالًا على أزمة لا تجد خاتمتها: نظام يضعف ولا يسقط، وخصوم يضربون ولا يحسمون. أما في الحالة الكردية في كردستان الغربية، فنحن أمام وجه آخر للحروب التي لا تحسم: حين تُدار الصراعات الكبرى، تُعاد كلفتها إلى الأطراف الأضعف، خصوصًا تلك التي لا تملك دولة، ولا ضمانة، ولا تمثيلًا موحدًا.
لم تكن مأساة الكرد في كردستان الغربية أنهم قاتلوا داعش. فقد كان داعش خطرًا على الجميع. ولم تكن مأساتهم أنهم طالبوا بحقوقهم. فهذه حقوق مشروعة ومؤجلة منذ عقود. مأساتهم أن قضيتهم وُضعت في يد مشروع لم يكن كرديًا بما يكفي، وشراكة لم تكن سياسية بما يكفي، ومعارضة كردية لم تكن قوية بما يكفي، وبيئة إقليمية لم تكن عادلة بما يكفي.
ولهذا فإن المقايضة الحالية ليست نهاية القضية، بل نهاية مرحلة من الأوهام. وإذا كان من درس قاسٍ يمكن استخلاصه، فهو أن القضية العادلة قد تخسر حين تُدار بأدوات خاطئة، وأن الشعب الصغير قد يدفع ثمن القوة التي لا تتحول إلى سياسة، والشراكة العسكرية التي لا تتحول إلى ضمانة، والسلطة التي لا تتحول إلى شرعية.
ومن هنا لا تبدو القضية الكردية في سوريا ملفًا محليًا منفصلًا، بل علامة مبكرة على طبيعة الشرق الأوسط الذي يتشكل الآن: شرق أوسط لا تنتصر فيه القضايا العادلة تلقائيًا، ولا تُكافأ فيه التضحيات بالاعتراف، بل تُعاد فيه صياغة التوازنات وفق قدرة كل طرف على فرض شروطه. إيران تُستنزف ولا تُكسر، تركيا تضغط وتنتظر، واشنطن تستخدم وتعيد ترتيب أولوياتها، ودمشق تستعد لاستعادة المركز. أما الكرد، فيخرجون من لحظة الحرب وقد خسروا كثيرًا من أوراقهم لأن قوتهم لم تتحول في الوقت المناسب إلى شرعية وضمانات.
وهذا هو السؤال الذي تقودنا إليه الحلقة الثالثة: أي شرق أوسط يتشكل حين لا تحسم الحروب، بل تعيد توزيع الخسائر على من لا يملكون القدرة على فرض شروطهم؟
18 أيار/مايو 2026