كردستان من التعتيم إلى الإنكار.. الجزء الثالث

د. محمود عباس

حذار من البعث
الجديد

مآسي الشعب السوري اليوم ومعاناتهم، يتحملها أيضا هؤلاء الذين
شاركوا السلطة في تحريف الثورة عن مسارها، وحولوا شعاراتها إلى بدائل هشة بطريقة أو
أخرى. فالمعارضون لحقوق الشعوب غير العربية، مثلما فعلتها السلطات الشمولية
السابقة، تدرجوا من واقع التعتيم إلى الإنكار بطرق متنوعة، هم نفسهم الذين همشوا
الأديان دون الإسلام، بشكل أوسع مما كانت عليه في السابق، ورسخوا نهج العنف في
الإسلام السياسي، ومعه الطغيان القومي تحت الغطاء الوطني أو الإنكار المباشر للأخر،
فليس غريبا أن يرفضوا رغبات التحرر القومي للشعوب الأخرى، وهم صريحون في عباراتهم،
ويجاهرون بمعارضتهم، لحقوق الأمازيغ والأقباط وغيرهم، في الدول التي ثارت قبل
سوريا، ويناهضون حقوق الكرد في الأخيرة، بحجة الوطن من جهة، والأمة الإسلامية من
جهة أخرى،
 وهي نفس الشريحة الثقافية التي لا تملك أدوات فكرية خارج سياق الفكر العروبي
الإسلامي السياسي، ولم يستطع معظم كتابهم الذين ساندوا الثورات، ويدعمون المعارضة،
التخلص من إرث الثقافة المترسخة من عهد السلطات العنصرية، وهم ضحايا تلك المفاهيم،
وتلك الثقافة، ولا شك أنهم يحتاجون إلى ثورة في ذاتهم قبل ثورة الشارع والمجتمع،
ليتمكنوا من تقديم البديل السليم عن الأنظمة الفاسدة، وأبرز مَن مثّل تلك الثقافة
الموبوءة، ونشرها بتخطيط، هو حزب البعث، وهذا لا يعني أن الأحزاب العروبية القومية
والإسلاموية الأخرى أقل شرورا منه، وكان البعث ينشر إيديولوجية هدامة، لكل القيم
الإنسانية وعلاقات التآخي والمساواة بين الشعوب، وما زرعه على مدى أكثر من نصف قرن
يحتاج إلى أجيال قادمة وثورات مستمرة لتنقية المجتمع، وما يفعله الإسلام السياسي
العروبي اليوم، هو إحياء لنفس الثقافة حتى ولو كانت مكسوة بغطاء آخر، لذلك فقادة
التيارات الإسلامية العروبية لا يقلون حقداً على الشعوب الأخرى، من الطغاة
البعثيين.  
 استنادا على أدبيات ومنهاج والنظام الداخلي لحزب البعث، وبناءً على
أفعاله اليومية، وطرق تعامله مع الجماهير وغيرها من مثالبه، ثبت كأحد أبشع الأحزاب
المدمرة لروح التآلف والتآخي بين شعوب منطقة الشرق الأوسط، متجاوزا، الناصرية في
كثيره، والأحزاب الإسلامية السياسية العروبية، كالإخوان المسلمين.
كشف البعث،
المشبع بمفاهيم مستخلصة من أيديولوجية أحزاب، سيطرت على أوروبا في بدايات القرن
الآفل، عن حقيقته. ودمج مفاهيم تلك الأحزاب العنصرية بأفكار رموز عروبية، كـ (ساطع
الحصري) الداعي إلى الطورانية ومن ثم الانقلاب عليها ليصبح قوميا عروبيا مع رطانة
عربيته، و(زكي الأرسوزي) وغيرهما، مع خباثة الاشتراكيين العروبيين أمثال (أكرم
حوراني) القومي المتطرف في صراعه الطبقي، الفلاحي بشكل خاص، والمتكون على أحقاد
شخصية ضد آل البرازي الكرد، كبار وجهاء حماه الإقطاعيين-السياسيين لفترة طويلة،
و(ميشيل عفلق) الذي أراد لاختلافه الديني، أن يكون أكثر تطرفا، من المسلم العروبي،
وحافظ الأسد الذي تخفى وراء الشعارات العروبية الإسلامية، للتغطية على مذهبه العلوي
وقربه من استراتيجية الهلال الشيعي، وغيرهم الذين استسقوا معالم ثقافتهم العروبية
من غلاة العنصريين الأوربيين كالنازية الألمانية والفاشية الإيطالية. فاستغلوها
مثيرين عاطفة الجماهير القومية ليسودوا على الشريحة العامة من الشعب، التواق للحرية
والتآخي، والخارج لتوه من طغيانين متتالين، عثماني، وفرنسي.
  نشر البعث منذ
تكوينه ثقافة مريضة بين المجتمع السوري والعراقي، مخلفا أوبئة عديدة، لتتخرج على
إثرها شريحة من الكتاب، لا يزالون رغم كل الثورات سجناء أدوات البعث الفكرية ويتجلى
هذا في كتاباتهم. حيث هي انعكاسات لأجندات البعث السابق بكل أبعاده، ويظهر بطريقة
أو أخرى نوعا جديدا من البعثيين، وفئة عصرية أخطر من سابقاتها. تغير لونها وتتلاءم
حسب المستجدات الفكرية-السياسية، وتتمسك ضمنا بنفس الهدف القديم، وتنحو إلى نفس
الغاية، كنشرهم للأحقاد ذاتها بين الشعوب، مستخدمة لغة العصر وتعابيره، وبطرق
مغايرة متلائمة والموجة الثورية في المنطق، لكن المضمون بعثي خالص.
      عناصر
البعث الجديد، ينتشرون في كل الزوايا، السياسية، والثقافية، ويقودون المنظمات
الإرهابية أو يتحكمون بمسيرتها، ويسيّرونها حسب أجندات البعث الجديد، من السهل
التعرف عليهم من خلال كتاباتهم بشكل عام والموجهة للشعوب غير العربية على وجه
الخصوص. ولم يكفوا عن معاداة الشعب الكردي وقضيته، وتاريخه وجغرافيته، وتفوح منهم
بشكل فاضح محتوى كراس (محمد طلب هلال) السري للغاية، والمحدد بـ (12) بندا، المخصص
للقضاء على ماهية الكرد وتشويه تاريخه قدر المستطاع، مع إزالته من جغرافيته عن طريق
التهجير القسري، والاستيطان العروبي في منطقته، والساري في أوساط هؤلاء منذ ظهور
البعث ولا يزال مستمرا حتى اللحظة.
  كتابهم اليوم يدرجون فكرتين لتسويق
ثقافتهم، مستندين على نتاج قرن من عمليات التعريب والتهجير والنزوح الاضطراري للكرد
من جغرافيتهم:
 1-فكرة التركيز على حداثة الكرد في جنوب غربي كردستان (كردستان
الغربية) وهي عملية تشويه لتاريخ شعب، لا يحتاج إلى
إثبات…

يتبع…

د.
محمود عباس

نائب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الكرد في
سوريا
.

الولايات المتحدة
الأمريكية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين ياسادة الافاضل : اليوم نتحدث عن قضية حساسة ومهمة وهي قضية نقل فلاحي الغمر الى الجزيرة السورية ( واطلق عليها الشوفينيون في الاونة الاخيرة الجزيرة العربية ) ، ثم مصادرة الاراضي من الفلاح الكردي واعطائها لفلاحي الغمر وذلك عام 1973(( خصصت القيادة القطرية 10ملايين ل .س . لنقل فلاحي الغمر الى الجزيرة حزيران 1973 )) طبعا عارضها البارتي…

نظام مير محمدي *   إذا أمعنا النظر في سلوك وخطاب أقطاب النظام الحاكم في إيران هذه الأيام، سنجد مفردة واحدة تتكرر أكثر من غيرها: “الشارع”. فمن الاستنفار الدائم للأجهزة الأمنية وقوات القمع لإبقاء البسيج في الميادين، وصولاً إلى صرخات الملالي عبر منابر صلاة الجمعة التي تشدد على ضرورة احتلال الشوارع بقواتهم، كل ذلك يعكس هلعاً عميقاً ومتجذراً. ولكن، لماذا…

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….