ثقافة الاعتراف والحوار مع الآخر

سلمان بارودو

إن الثقافة في أي مجتمع وبلد هي ثقافة إنسانية تكونت عبر أجيال وتهم الجميع بدون استثناء، فليست هناك ثقافة تخص هذا المجتمع أو ذاك، وليست هناك ثقافة دخيلة أو ثقافة مستوردة كما يتصور البعض إنما الثقافات تتواصل في حركتها فيما بينها مؤثرة ومتأثرة، حاملة إنجازات وبصمات هذه الثقافة أو تلك، وتتفاعل الثقافات وتتضافر في صراعها ضد عناصر التخلف،

فإن المثقف الواعي الذي يحاور مجتمعه يجب أن يدرك أن ما يعتبر صحيحا بالنسبة له ليس مهما أن يكون صحيحا لقطاعات كبيرة من المجتمع، لأن حرية التعبير واحترام الرأي الآخر والحوار هي من سمات أساسية للمثقف الملتزم بقضايا مجتمعه.
هنا، لا بد من التأكيد، إن ثقافة الحوار هي نتاج الحراك الاجتماعي والسياسي للتحولات التي تحدث في أي منطقة في العالم ونحن جزء من هذا العالم، فالعقول الواعية هي التي تحث على التغيير الإيجابي، وعدم الوقوف في أمكنتها، لذلك يجب أن يكون هناك معالجة فعلية وواقعية لكافة قضايا المجتمع، عندها نستطيع أن نقول أن ثقافة الحوار تبدأ في حديث الإنسان مع ذاته، ومن ينغلق من الداخل يفشل في التعاطي فكرياً مع غيره لأنه جاهل بمكونات نفسه وعن كسر طوق العزلة الانفرادية التي تحدو به من التخوف، والحوار معه لا يتحقق دون أن تتسع الأنا لتهيئ  في داخلها مكاناً أرحب للآخر، لذلك نستطيع أن نقول بأن الثقافة هي الوعي المتطور للفكر الإنساني وهي الإنجاز الرائع لهذا الوعي.
والواقع إن الإنسان, وبحكم طبعه الاجتماعي, بحاجة إلى جماعة ينتمي إليها, والوطن يعتبر شكلا متقدما في تعبير الإنسان عن هذه الحاجة وبالتالي يذهب جزء كبير من جهد الإنسان لممارسة وجوده في هذه المنظومة الاجتماعية في إطار ما يصطلح عليه بالمواطنة.

ومن المواطنة تأتي ضرورة الاهتمام بذلك الآخر.

فإذا كانت الوطنية هي ذلك الشعور بالانتماء الذي يشد الفرد إلى مجتمعه ووطنه فإن المطلوب هو تعزيز هذا الشعور عند كل أفراد المجتمع وذلك من خلال عدم تهميش الآخرين بحجة الاختلاف في الرأي والاجتهاد وغيرها من الأمور الخلافية.
 إننا عندما نستطيع أن نؤسس ثقافة تهتم بالآخر فإننا بذلك نقلص من السلبية التي تتسم بها بعض شرائح المجتمع في التفاعل مع قضايا المجتمع والتحديات التي يواجهها, بل إن هذه السلبية قد تتطور عند البعض لتأخذ صورة أفعال معطلة لحركة المجتمع إن لم تصل إلى حالة الإضرار بمكونات المجتمع وتخريب منجزاته.

وفي هذا المجال يؤكد أهل الاختصاص في مجال السلوك الإنساني أن الحوار هو من أنجع السبل لإزالة سوء الفهم بين الأطراف, وأن حالة الاحتقان الناتجة من سوء الفهم هي التي تجعل النفوس مستعدة لإسقاط الآخر وربما حتى التفكير في إزاحته ونفيه، وعندما يتعاظم الشعور بالرغبة في نفي الآخر يصبح الجميع من الداخل والخارج أهدافا مشروعة للذين لا يرون إلا أنفسهم وأن الآخر هو حالة طارئة في حياتهم.

وسيجد الذين يؤمنون بالحوار صعوبة في تحمل دعوات المترددين والمشككين بأهمية الحوار وستكون هناك معاناة لهم بفعل ما يقوم به البعض من استغراق في الأشكال والتفاصيل غير المجدية، ولكن تبقى تجربة الحوار وما سيجنيه الناس بالحوار من إيجابيات كثيرة بفضل تكامل قواه الخيرة والمخلصة تستحق منا الصبر والعمل الدؤوب.
لا بد من إعطاء أهمية كافية للحوار كون الحوار يقوم على المساواة وإيمان أطراف الحوار بهذه المساواة يقتضي قبول الاختلاف وإيلاء أهمية للآخر واقتسام المعرفة بوصفها رابطاً جماعياً وأداة تعارف وتقارب وتضامن ويوفر التقدم التقني على مستوى تطور تكنولوجيات الاتصال، والإعلام اليوم فرصا كبيرة وناجعة للحصول على المعلومات دون اعتبار للحواجز المادية بل أن ما يوفره التكنولوجيا اليوم من فرص للوصول إلى المعلومة ونشرها وصل حد إلغاء الحواجز التي كانت موجودة أو المصطنعة، وأن الحوار يمكن أن يلعب دوراً حيوياً وهاماً في خفض مثيرات العنف وإلغاء الآخر المختلف، والإقلال من احتمالات لجوء الأشخاص إلى العنف كوسيلة للتعبير عن أنفسهم أو كطريقة لحل مشكلاتهم أو التخلص من إحباطاتهم ورغم أننا على كل المستويات وفي كل المناسبات (تقريباً) نتحدث عن أهمية الحوار ليس فقط كوقاية من العنف وعلاج له وإنما لتحسين نوعية وجودنا الفردي والاجتماعي والإنساني، رغم كل هذا، فإن لدينا مشكلات عميقة وعديدة تتعلق بهذه الناحية، إما بسبب انسداد قنوات الحوار (كلها أو بعضها)، أو بسبب شيوع أنماط غير صحيحة للحوار بيننا، وكلا السببين يؤديان إلى تعطيل عملية التواصل الصحيحة مع ما يتبع ذلك من مشكلات في العلاقات يكون إدارة الظهر لحل القضايا أو العنف أحد إفرازاتها.
لذلك، على المثقف أن يؤسس لثقافة ترى أن الآخر هو جزء من وجوده وأن الالتقاء به والحوار معه هو الأصل في هذه الحياة، ثقافة تنطلق بنا من المشتركات وعندها يكون الاختلاف في الرأي والرؤية والطريقة كلها دروباً للتكامل كأفراد ومجتمعات.
وفي هذا الواقع المزري، يجب على المثقف الملتزم والواعي لدوره أن يكون صادقاً مع نفسه، حاملا” عدداً من القيم الأساسية، مستعداً للتضحية، واعياً لدوره التاريخي، وهذا يعنى واعياً للتضحيات ومن هنا، يستوجب عليه أن يحمل هموم مجتمعه، ويلتزم بضميره وبالتحديات التي تواجهه، لأن المثقف هو ذلك الإنسان الذي يعي ذاته وذات مجتمعه، من خلال الصلة بواقع هذا المجتمع وما ورثه من القضايا الفكرية والسياسية والحضارية والإنسانية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…