ولكن من أين يبدأ ال «تمرد» السوري

صلاح بدرالدين

  المشتركات العامة لثورات الربيع مازالت تطغى على خصوصياتها الوطنية الجزئية فعندما اندلعت الانتفاضة الثورية في تونس كباكورة موجات الربيع بكل عفويتها وبادارة ناشطي تنسيقيات الشباب ورواد مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعارات في غاية البساطة وبمعزل عن تأثيرات آيديولوجيات القوى والتيارات التقليدية والتي تمحورت حول اسقاط الاستبداد بكافة رموزه ومؤسساته وتفكيك سلطته الأمنية – العائلية – الحزبوية ونشدان الحرية والكرامة والتغيير والاصلاح ورفض التوريث وتحييد الجيش الوطني ايجابيا مانفكت ثورات مصر واليمن وليبيا وسوريا تحذو حذو التجربة التاريخية الأولى وترفع الشعارات ذاتها الى جانب بعض المسائل الخاصة بكل بلد
مثل معالجة التركة الثقيلة للنظم الاستبدادية العنصرية والطائفية بشأن قضايا الأقوام والأديان والمذاهب في الدول المتعددة المركبة مثل سوريا وغيرها وليس هناك أدنى شك من حقيقة ترابط موجات انتفاضات الربيع أو ثورات القرن الجديد الشبابية ببعضها والتأثيرات المتبادلة بين دروسها وانتصاراتها واخفاقاتها وهنا قد يتبادر الى الذهن مدى تقصير ثوار بلدان الربيع في عدم الاقدام على انشاء هيئة أو لجنة  للقاء بانتظام ومناقشة المشتركات وما أكثرها والتعاون والتنسيق وتبادل الآراء حول تجاربها الذاتية ودراسة التحديات وسبل توفير عوامل الانتصار والتحصين واغناء الظاهرة الثورية هذه تقييما وتمحيصا في جوانبها النظرية والتطبيقية  .
  في هذا السياق تشكل حركة ” تمرد ” المصرية الحدث الأبرز في مسيرة ثورات الربيع قد تكون نموذجا يحتذى به في مجال استمرارية الثورة حتى تحقيق أهدافها وخطوة لابد منها لتصحيح المسار ومراجعة الاخفاقات واستكمال الهدف الأساسي حتى لو اقتضى الأمر أن تكون ثورة على ” الثورة ” فبعد أن ركبت القوى التقليدية الموجة من بدايتها وأدارت الأزمة حسب مصالحها الحزبية الضيقة وأفقها الوسطي المستند الى أنصاف الحلول الى درجة المهادنة مع جماعات الاسلام السياسي بل التصويت لصالح مرشحي الاخوان المسلمين بذريعة مواجهة – الفلول – ووقوعها عمليا في فخ – ضياع البوصلة – وعدم التمييز بين المهم والأهم والخطر والأخطر والسيء والأسوأ واجهاض العملية الثورية وافراغ الثورة من محتواها الديموقراطي الاصلاحي الثوري وتقديم انتصارات الشعب المصري وتضحياته لقمة سائغة وعلى طبق من فضة للاسلام السياسي  والرئيس الاخواني المعزول مما استدعى كل ذلك مبادرة شبابية جديدة باسم حركة ” تمرد ” قادها نفس نمط التفكير القيادي الشبابي في الموجة الأولى وبرزت وجوه شابة في مقدمتها صحافيان وطالب جامعي استطاعوا جمع تواقيع ( 22 ) مليون مصري بالأسماء والأرقام الوطنية المعلنة تطالب برحيل حكم الاخوان ورئيسهم واسقاط حكومتهم كخطوة رائدة في اعادة القرار الى الشعب وانقاذ الثورة من الردة الاخوانية المضادة والنظام السياسي والمجتمع من الأسلمة والأخونة وفي الوقت ذاته اعادة الاعتبار لوطنية وديموقراطية وتقدمية ثورة الربيع بأكبر وأهم دولة عربية مما سيكون له تأثير مباشر على باقي بلدانها .
  في ساحتنا السورية وفي ثورتنا الوطنية هناك من يعمل على – خلط الأوراق – ونقل التجربة المصرية بصورة معكوسة فالبعض من تقليديي – المعارضات – يعتبر ماحصل هناك شأن داخلي والبعض وخاصة – الاخوان السورييون – ورغم ماأصابهم من ذهول وخيبة أمل فانهم مازالوا يعتبرون الرئيس المخلوع شرعيا بل شارك أنصارهم في مظاهرات الاخوان المصريين واعتداءاتهم على الجيش المصري مما خلق انطباعا سيئا لدى شركائنا ثوار مصر أدى بهم الى اتخاذ اجراءات أمنية رادعة بحق مواطنينا في المطارات وماعليهم الا اعادة النظر وعدم اعتبار كل الثوار السوريين اخوانا واسلامويين ومعادين لثورة مصر التجديدية وهناك أيضا من يقفز نحو الداخل السوري يحرض العلماني على غيره من أخوة السلاح الذين يواجهون جميعا عدوان النظام وآلته الحربية المدمرة وأعوانه من الايرانيين وحزب الله وجماعات عراقية وعلوية تركية بدلا من البحث عن جذور المسألة ومقدماتها في آن التي تشي بأن – المعارضات – وخاصة – المجلس ومن ثم الائتلاف – المسيران من الاخوان المسلمين هما المسؤولان المباشران في تسريب وتسلل المقاتلين الاسلاميين المتطرفين الى العمق السوري وقبل الدعوة الى استئصال من هم يقاتلون النظام بالداخل كائنا من كانوا يجب محاسبة المسببين – وهم ليسوا الاخوان فحسب بل الموالين لهم من قوميين وليبراليين وهامشيين باحثين عن مصالح – وازاحتهم من قيادة المشهد السياسي – المعارض – أولا لأنهم يتحملون الجزء الأكبر من مآسي السوريين واطالة أمد اسقاط النظام والتأثير السلبي على ضبط وربط تشكيلات الجيش الحر وتفكك قوى الثورة .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف في الخامس عشر من أيار من كل عام، يحتفل الكرد حول العالم بيوم لغتهم . و لكن هذا الاحتفال في السياق السوري المتعدد الأطياف لا يمكن فصله عن الأسئلة الكبرى التي تتعلق بالمواطنة والاعتراف والتعددية. والسؤال : هل اللغة الكردية قضية خاصة بالكرد فقط، أم أنها جزء من النسيج السوري المتنوع الذي يحتاج إلى الحماية والتقدير؟…

كفاح محمود في لحظة صادقة وفجّة، سُئل مسؤولٌ في حزب ديني: من معكم؟ فأجاب مطمئنًا: “فقط الله”، هذه الجملة لا تفضح صاحبها وحده، بل تفضح منطقًا سياسيًا شائعًا في منطقتنا: منطق التفويض الذي يُخرج الشعب من الحساب، ثم يطالبه بدفع الفاتورة باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة، وباسم التاريخ مرة ثالثة، والمفارقة أن مشروعين متناقضين في الشعار، متشابهين في الجوهر،…

روني علي وقفة .. مازال لدى الكوردي المنتمي إلى هويته بعض الوقت لأن يتحرر من أوهام كانت من ارهاصات الموت السوري .. فقد تم الدفع به ليكون سياجا لنظام طاغ والآن يتم الدفع به ليكون جسر الترويض لنظام لا ندرك كنهه .. كل ما ندركه أنه مدفوع الثمن من جانب مراكز القرار الدولية منها والإقليمية .. لن يكون للكوردي أية…

عاكف حسن المفارقة الكبرى في الخطاب الأبوجي اليوم أنه لم يعد يهاجم فقط فكرة الدولة الكردية، بل أصبح يهاجم فكرة الدولة القومية من أساسها، وكأن وجود دولة تعبّر عن هوية شعب أو تحمي مصالحه جريمة تاريخية يجب التخلص منها. لكن السؤال الذي لا يجيبون عنه أبداً: إذا كانت الدولة القومية شراً مطلقاً، فلماذا لا يطلبون من الأتراك أو الفرس أو…