بمناسبة مرور واحد وستين عاما على كونفرانس الخامس من آب.. رفيق دربي الشهم ” خلو ” : مازلت ساكنا بذاكرتي (٣ – ٤)

صلاح بدرالدين

  في مرحلة النضال السري في ظل نظام الاستبداد البعثي ( ١٩٦٣ – ٢٠٢٤ ) كان مجرد الانتساب الى حزب كردي يحمل برنامجا سياسيا معبرا عن إرادة الشعب ، ويرفع شعارات تدعو الى تبديل النظام ، وإيجاد البديل الديموقراطي ، وحل القضية الكردية حسب مبدأ تقرير المصير يعني نوعا من المغامرة على صعيد  المستقبل الشخصي ، فكيف ان سخرت ماتملك في خدمة اهداف ذلك الحزب ، واعني ( البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي – ١٩٦٥ – ٢٠٠٣  ) .

  ميدانيا وعلى ارض الواقع كان يواجه المناضل الحزبي في تلك المرحلة مسألتان شائكتان في ظل سلطة المنظومة الأمنية القمعية الحاكمة عليه مواجهتهما ، وإيجاد حل لهما مهما كان الثمن ، الأولى – تأمين مكان آمن للملاحق أمنيا وغالبا ماكان مسؤولا ، والثانية – وهي الأكثر خطورة إيجاد مكان مناسب ومأمون لعقد المؤتمر ، والكونفرانس ، وان حصل أي خطأ او سوء تقدير سيكون صاحب الدار أول من يدفع الثمن أمام أجهزة القمع المتوحشة وخاصة في مراكزها بالمناطق الكردية .

  في تلك المرحلة كانت الحالة الكردية أكثر سخونة في الجزيرة حيث مخططا – الإحصاء الاستثنائي الذي اجري بمحافظة الحسكة – والحزام العربي – المطبق أيضا في تلك المنطقة ، ولذلك تحولت الى مكان لاختبار مدى إمكانية القضاء على الوجود الكردي ، وتنفيذ بنود تقرير – محمد طلب هلال – القاضية بتهجير الكرد ، ومحو ثقافتهم ، لذلك كانت المنطقة تعج بفروع عديدة من الأجهزة الأمنية ( الامن السياسي – المخابرات العسكرية – أمن الدولة – المخابرات الجوية ) إضافة الى الشرطة والجنائية ، وخلايا حزب البعث ، والحرس القومي ، والشبيبة الخ …، والقمع والإرهاب والملاحقة ، والاعتقال في اعلى درجاته .

كونفراسان في  منزل ” خلو ”

  عام ١٩٦٨ أي قبل ثمانية وخمسين عاما  كان موعدنا مع الكونفرانس السادس ، وأبلغتنا اللجنة المنطقية للحزب في القامشلي ان مكان انعقاده – عامودا – فتوافدنا الى هناك بسبل متنوعة بمنزل أحد رفاقنا وهو المرحوم – خليل إسماعيل برو – المعروف ب ” خلو ” الذي استقبلنا بحرارة ، حريصا على سلامتنا ، هذا الرجل الوطني الصادق كان باديا من محياه مدى تعلقه بشعبه وقضيته ، وتحدى كل المخاطر عن طيبة خاطر ، وما أدهشني أن الكونفرانس السابع عقد أيضا في منزله ، وقيل لي كان من المفترض عقده بمكان آخر ولدى سماعه اتصل بمسؤوله مصرا على عقده بنفس المكان السابق أي منزله وهذا ماحصل .

   مازالت ملامح هذا الرجل العظيم الصارمة أمام ناظري ، ومازلت أتذكر – دالية العنب – المتدلية في فناء الدار حيث كنت اختلس النظر اليها مع بزوغ الفجر ،  علمت قبل أعوام ان هذا الرفيق  الطيب قد رحل عنا عام ٢٠١١ ، كما علمت انه والد السياسي السيد إبراهيم برو ، حيث طلبت منه صورة للراحل من اجل التوثيق وارسل لي الصورة أعلاه مشكورا .

  كان في الاتحاد الشعبي العشرات من هذا النموذج الوطني الصادق المضحي في مختلف المناطق ، لم يكونوا من حاملي الشهادات ، ولم يبحثوا عن مناصب ومنافع كانوا الدرع الواقي لرفاقهم ، وفي صدارة المضحين والاوفياء ، وعلى سبيل المثال عرفت البعض منهم وسمعت عن البعض الآخر ( نعمتو – اوسكي زاخراني – سعيد بارودو – حجي بلال – خليل حمكو – منان خليل – فتحي ايبش – خليل أبو مروان ….الخ .

  في سيرة الرفاق الشجعان والوطنيين الصادقين الذين سخروا بيوتهم لمثل هذه المناسبات في أقسى الظروف ، والكوادر المضحية الذين اداروا ، ونظموا ، فخلال تسعة اعوام عقدت اربع كونفراسات ، ومؤتمران  بالوطن ،  الكونفرانس الرابع ( ١٩٦٤ )  في منزلنا بقرية جمعاية ولم أكن مندوبا فيه بل مضيفا  ، والخامس ( ١٩٦٥ ) في منزل المرحوم – حاجي بوطي ) الملاصق لمنزلنا بقرية جمعاية ، والسادس ، والسابع بعامودا ، وكذلك المؤتمر الأول في الهلالية ( ١٩٦٦ ) بمنزل احد رفاقنا أتصور ملامحه ولااتذكر اسمه للأسف ، والثالث ( ١٩٧٣ ) في منزل المرحوم ( حسن مستي – بافي نايف ) بالحارة الغربية بالقامشلي .

   وفي – جيايي كرمينج – منطقة عفرين ، وكوباني ، بالرغم من عدم عقد مؤتمرات وكونفرانسات هناك الا ان الاجتماعات الحزبية كانت متواصلة ، وسمعت من رفيق دربي الراحل – سامي بافي جوان –عن رفاق سخروا بيوتهم لتلك الاجتماعات ، واحتضنوا الكوادر ، وقاموا بحمايتهم باصعب الظروف ، وهنا اترحم على من غادرنا من هؤلاء الجنود المجهولين ، وأحيي من هم مازالوا على قيد الحياة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

هجار أمين في قلب شرق أوسط يعاد تشكيله على وقع تحولات استراتيجية عميقة، تأتي زيارة رئيس إقليم كوردستان العراق، الرئيس نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق غداً الاثنين، ولقاؤه بالرئيس أحمد الشرع، كإحدى الإشارات السياسية الأكثر كثافة في الدلالات والتوقيت، إنها ليست زيارة بروتوكولية عابرة، بل هي خطوة محسوبة بدقة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتداخل خيوط التحالفات والصراعات من طهران…

د . مرشد اليوسف ليس كل اندماج اندماجًا، وليس كل انخراط في مؤسسات الدولة شراكة وطنية. فثمة فرق جوهري بين أن يكون الإنسان مواطنًا كامل الحقوق ، وبين أن يصبح مجرد رقم في جهاز إداري لا يعترف بخصوصيته القومية والثقافية. ومن هنا تبدأ الإشكالية الكردية في سوريا، ليس باعتبارها أزمة تمثيل سياسي فحسب، وإنما بوصفها أزمة في مفهوم الدولة ذاته….

حسن قاسم أي مشروع سياسي يخص الكورد في سوريا لن ينجح إذا تجاهل خصوصية التجربة الكردية وذاكرة قرن من الوعود المكسورة. لم يعد خافيًا حجم التأثير التركي في الملف السوري، ولا سيما في مناطق الشمال، حيث باتت أنقرة لاعبًا رئيسيًا في رسم كثير من ملامح الواقع السياسي والأمني. وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى الداخل التركي، حيث تتردد أحاديث عن مسار…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   ليست الهزيمة دائماً في ساحات القتال، فثمة هزائم أشد وقعاً حين تقع داخل السجون، حيث يظن الطغاة أن قبضتهم مطلقة وأن الخوف سيد الموقف. وما حدث في سجن “قزل حصار” بمدينة كرج، عندما نجح نحو 1500 سجين محكوم بالإعدام في إرغام سلطات نظام الولي الفقيه على التراجع بعد…