صلاح بدرالدين
في مرحلة النضال السري في ظل نظام الاستبداد البعثي ( ١٩٦٣ – ٢٠٢٤ ) كان مجرد الانتساب الى حزب كردي يحمل برنامجا سياسيا معبرا عن إرادة الشعب ، ويرفع شعارات تدعو الى تبديل النظام ، وإيجاد البديل الديموقراطي ، وحل القضية الكردية حسب مبدأ تقرير المصير يعني نوعا من المغامرة على صعيد المستقبل الشخصي ، فكيف ان سخرت ماتملك في خدمة اهداف ذلك الحزب ، واعني ( البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي – ١٩٦٥ – ٢٠٠٣ ) .
ميدانيا وعلى ارض الواقع كان يواجه المناضل الحزبي في تلك المرحلة مسألتان شائكتان في ظل سلطة المنظومة الأمنية القمعية الحاكمة عليه مواجهتهما ، وإيجاد حل لهما مهما كان الثمن ، الأولى – تأمين مكان آمن للملاحق أمنيا وغالبا ماكان مسؤولا ، والثانية – وهي الأكثر خطورة إيجاد مكان مناسب ومأمون لعقد المؤتمر ، والكونفرانس ، وان حصل أي خطأ او سوء تقدير سيكون صاحب الدار أول من يدفع الثمن أمام أجهزة القمع المتوحشة وخاصة في مراكزها بالمناطق الكردية .
في تلك المرحلة كانت الحالة الكردية أكثر سخونة في الجزيرة حيث مخططا – الإحصاء الاستثنائي الذي اجري بمحافظة الحسكة – والحزام العربي – المطبق أيضا في تلك المنطقة ، ولذلك تحولت الى مكان لاختبار مدى إمكانية القضاء على الوجود الكردي ، وتنفيذ بنود تقرير – محمد طلب هلال – القاضية بتهجير الكرد ، ومحو ثقافتهم ، لذلك كانت المنطقة تعج بفروع عديدة من الأجهزة الأمنية ( الامن السياسي – المخابرات العسكرية – أمن الدولة – المخابرات الجوية ) إضافة الى الشرطة والجنائية ، وخلايا حزب البعث ، والحرس القومي ، والشبيبة الخ …، والقمع والإرهاب والملاحقة ، والاعتقال في اعلى درجاته .
كونفراسان في منزل ” خلو ”
عام ١٩٦٨ أي قبل ثمانية وخمسين عاما كان موعدنا مع الكونفرانس السادس ، وأبلغتنا اللجنة المنطقية للحزب في القامشلي ان مكان انعقاده – عامودا – فتوافدنا الى هناك بسبل متنوعة بمنزل أحد رفاقنا وهو المرحوم – خليل إسماعيل برو – المعروف ب ” خلو ” الذي استقبلنا بحرارة ، حريصا على سلامتنا ، هذا الرجل الوطني الصادق كان باديا من محياه مدى تعلقه بشعبه وقضيته ، وتحدى كل المخاطر عن طيبة خاطر ، وما أدهشني أن الكونفرانس السابع عقد أيضا في منزله ، وقيل لي كان من المفترض عقده بمكان آخر ولدى سماعه اتصل بمسؤوله مصرا على عقده بنفس المكان السابق أي منزله وهذا ماحصل .
مازالت ملامح هذا الرجل العظيم الصارمة أمام ناظري ، ومازلت أتذكر – دالية العنب – المتدلية في فناء الدار حيث كنت اختلس النظر اليها مع بزوغ الفجر ، علمت قبل أعوام ان هذا الرفيق الطيب قد رحل عنا عام ٢٠١١ ، كما علمت انه والد السياسي السيد إبراهيم برو ، حيث طلبت منه صورة للراحل من اجل التوثيق وارسل لي الصورة أعلاه مشكورا .
كان في الاتحاد الشعبي العشرات من هذا النموذج الوطني الصادق المضحي في مختلف المناطق ، لم يكونوا من حاملي الشهادات ، ولم يبحثوا عن مناصب ومنافع كانوا الدرع الواقي لرفاقهم ، وفي صدارة المضحين والاوفياء ، وعلى سبيل المثال عرفت البعض منهم وسمعت عن البعض الآخر ( نعمتو – اوسكي زاخراني – سعيد بارودو – حجي بلال – خليل حمكو – منان خليل – فتحي ايبش – خليل أبو مروان ….الخ .
في سيرة الرفاق الشجعان والوطنيين الصادقين الذين سخروا بيوتهم لمثل هذه المناسبات في أقسى الظروف ، والكوادر المضحية الذين اداروا ، ونظموا ، فخلال تسعة اعوام عقدت اربع كونفراسات ، ومؤتمران بالوطن ، الكونفرانس الرابع ( ١٩٦٤ ) في منزلنا بقرية جمعاية ولم أكن مندوبا فيه بل مضيفا ، والخامس ( ١٩٦٥ ) في منزل المرحوم – حاجي بوطي ) الملاصق لمنزلنا بقرية جمعاية ، والسادس ، والسابع بعامودا ، وكذلك المؤتمر الأول في الهلالية ( ١٩٦٦ ) بمنزل احد رفاقنا أتصور ملامحه ولااتذكر اسمه للأسف ، والثالث ( ١٩٧٣ ) في منزل المرحوم ( حسن مستي – بافي نايف ) بالحارة الغربية بالقامشلي .
وفي – جيايي كرمينج – منطقة عفرين ، وكوباني ، بالرغم من عدم عقد مؤتمرات وكونفرانسات هناك الا ان الاجتماعات الحزبية كانت متواصلة ، وسمعت من رفيق دربي الراحل – سامي بافي جوان –عن رفاق سخروا بيوتهم لتلك الاجتماعات ، واحتضنوا الكوادر ، وقاموا بحمايتهم باصعب الظروف ، وهنا اترحم على من غادرنا من هؤلاء الجنود المجهولين ، وأحيي من هم مازالوا على قيد الحياة .