الاندماج يحتاج إلى الثقة… والثقة لا تُفرض

حسن قاسم
أي مشروع سياسي يخص الكورد في سوريا لن ينجح إذا تجاهل خصوصية التجربة الكردية وذاكرة قرن من الوعود المكسورة.
لم يعد خافيًا حجم التأثير التركي في الملف السوري، ولا سيما في مناطق الشمال، حيث باتت أنقرة لاعبًا رئيسيًا في رسم كثير من ملامح الواقع السياسي والأمني. وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى الداخل التركي، حيث تتردد أحاديث عن مسار جديد لمعالجة القضية الكردية عبر مشروع اندماج أو تسوية سياسية، إلا أن هذا المسار ما زال في بداياته، ولم تتضح بعد ملامحه النهائية أو الضمانات التي يمكن أن تحول الوعود إلى واقع.
من حيث المبدأ، لا يمكن لأي عاقل أن يعارض مشروعًا يهدف إلى إنهاء الصراع، وترسيخ الاستقرار، وإطلاق عجلة التنمية، وضمان الحقوق المشروعة لجميع المواطنين. والكورد، شأنهم شأن غيرهم، يتطلعون إلى مستقبل يسوده السلام، بعيدًا عن دوامة العنف والصراعات التي أنهكت المنطقة لعقود طويلة.
غير أن القلق يتزايد عندما يطرح بعضهم فكرة تعميم أي صيغة قد تعتمدها تركيا على الواقع السوري، وكأن البلدين يعيشان الظروف نفسها ويواجهان التحديات ذاتها. فلكل دولة تاريخها، ولكل مجتمع خصوصياته، ولا يمكن بناء السلام عبر استنساخ نماذج سياسية من دون مراعاة اختلاف السياقات.
إن التحفظ الكوردي تجاه مشاريع الاندماج لا يعكس رفضًا للسلام، ولا رغبة في استمرار الانقسام، بل هو نتيجة طبيعية لتجربة تاريخية ثقيلة. فعلى امتداد أكثر من قرن، وجد الكورد أنفسهم أمام وعود كثيرة لم تكتمل، واتفاقات لم تصمد، وتسويات لم تحقق ما كانت تعد به. كما أن التقسيمات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى أسهمت في توزيع الوجود الكوردي بين أربع دول، وهو واقع ما زال يلقي بظلاله على الوعي السياسي الكوردي حتى اليوم.
لذلك، فإن مطالبة الكورد بالثقة المطلقة في أي مشروع جديد، من دون ضمانات واضحة، تبدو مطالبة غير واقعية. فالثقة ليست قرارًا سياسيًا يُعلن، وإنما هي نتيجة لمسار طويل من الالتزام والوفاء بالتعهدات واحترام الحقوق.
إن أي مشروع يُراد له النجاح في سوريا ينبغي أن ينطلق من الواقع السوري، لا من تجارب أخرى. كما ينبغي أن يقوم على الحوار، والاعتراف بالتعددية، وضمان الحقوق ضمن إطار دستوري وقانوني يشارك في صياغته جميع السوريين، بعيدًا عن الإملاءات أو الحلول المفروضة.
لقد أثبت التاريخ أن الاستقرار لا يتحقق بإسكات المخاوف، بل بمعالجتها. ولا يمكن بناء دولة مستقرة إذا شعر أحد مكوناتها بأنه مطالب بالتخلي عن هواجسه من دون أن يحصل على ضمانات حقيقية.
إن الكورد ليسوا ضد الاندماج إذا كان قائمًا على الشراكة والعدالة، وليسوا ضد السلام إذا كان سلامًا يحفظ الكرامة والحقوق. لكنهم، بحكم تجربتهم التاريخية، ينظرون إلى الوعود بحذر، وينتظرون الأفعال قبل الأقوال. وهذا ليس تشددًا، بل قراءة واقعية لتجربة طويلة أثبتت أن الحقوق لا تحميها النوايا الحسنة وحدها، وإنما المؤسسات والقوانين والضمانات.
وفي النهاية، فإن مستقبل سوريا المستقرة لن يُبنى على استنساخ التجارب، بل على عقد وطني جديد يعترف بجميع مكوناتها، ويؤسس لعلاقة تقوم على المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، والثقة المتبادلة. فهذه هي القاعدة التي يمكن أن تمنح أي مشروع سياسي فرصة حقيقية للنجاح والاستمرار.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…