زيارة استثنائية في توقيت ملتهب، قطار كوردستان يصل دمشق، مفتاح من ذهب بيد الرئيس الشرع.

هجار أمين

في قلب شرق أوسط يعاد تشكيله على وقع تحولات استراتيجية عميقة، تأتي زيارة رئيس إقليم كوردستان العراق، الرئيس نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق غداً الاثنين، ولقاؤه بالرئيس أحمد الشرع، كإحدى الإشارات السياسية الأكثر كثافة في الدلالات والتوقيت، إنها ليست زيارة بروتوكولية عابرة، بل هي خطوة محسوبة بدقة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتداخل خيوط التحالفات والصراعات من طهران إلى واشنطن، مروراً بأنقرة وبغداد.

تكتسب الزيارة بُعدها الاستثنائي من كونها الأولى لمسؤول كوردي بهذا المستوى إلى دمشق في مرحلة ما بعد الصراع السوري، والأولى التي تجمع القيادة الكوردية الجديدة في سوريا بمرجعية كوردية دستورية معترف بها دولياً كإقليم كوردستان، في هذا التوقيت بالذات، حيث تتجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وحيث تسعى سوريا إلى فك عزلتها الدبلوماسية، تمثل هذه الزيارة اعترافاً واقعياً بمكانة دمشق الجديدة كلاعب لا يمكن تجاوزه، ورسالة مفادها أن البوابة الكوردية إلى سوريا قد تكون من أربيل قبل أي عاصمة أخرى.

لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن جملة عوامل..
أولها، الحاجة السورية إلى نموذج تنموي ناجح وقريب ثقافياً وجغرافياً، إقليم كوردستان، بما حققه من قفزات في البنية التحتية والنهضة العمرانية وجذب الاستثمارات الأجنبية، يقدم وصفة عملية لسوريا التي أنهكتها الحرب، وصفة لا تحتاج إلى استيراد خبرات بعيدة، بل إلى النظر إلى جار نجح في ظروف إقليمية معقدة مماثلة.
ثانيها، رغبة أربيل في ترسيخ دورها كمركز ثقل دبلوماسي واقتصادي إقليمي، لا يقتصر على العراق، بل يمتد إلى الساحة السورية عبر علاقة متوازنة مع دمشق، تحفظ خصوصية المكون الكوردي السوري دون الدخول في صدام مع الدولة المركزية، وهذا يتطلب حواراً مباشراً وعميقاً مع الرئيس أحمد الشرع.
ثالثها، الحاجة المشتركة لضبط إيقاع الملف الكوردي السوري في مرحلة إعادة تعريف العقد الاجتماعي السوري (الدستور) حيث لا يزال موقع الكورد ودورهم في مستقبل البلاد معلقاً بين طموحات مشروعة وحساسيات معقدة.

تتجاوز محادثات الرئيس بارزاني في دمشق السياسة إلى الاقتصاد، وهو القلب النابض لأي استقرار دائم، إقليم كوردستان، الذي أصبح قبلة للاستثمار في قطاعات الطاقة والبناء والخدمات، يمكن أن يكون شريكاً رئيسياً في إعادة إعمار سوريا، التجربة الكوردستانية في بناء مدن حديثة وتطوير أنظمة مصرفية وخلق بيئة استثمارية جاذبة رغم التحديات، تشكل رأس مال رمزي وعملي يمكن نقله إلى سوريا عبر شراكات استراتيجية تشمل القطاع الخاص في الجانبين، كما أن الموقع الجغرافي المتكامل بين شمال شرق سوريا وإقليم كوردستان يفتح آفاقاً لتكامل تجاري ولوجستي يحولهما إلى ممر اقتصادي حيوي بين الخليج والمتوسط، وهو مشروع يتطلب إرادة سياسية جريئة من القيادتين.

لعل أكثر الملفات حساسية على طاولة اللقاء هو الدور المستقبلي لكورد سوريا. هنا، يمكن أن يلعب إقليم كوردستان دوراً بناءً وفريداً، ليس بصفته وسيطاً، بل بصفته نموذجاً لشعب عانى من التهميش واستطاع عبر النضال السياسي والحوار بناء كيان دستوري معترف به ضمن دولة فيدرالية، زيارة الرئيس بارزاني تحمل في جوهرها رسالة طمأنة للرئيس الشرع بأن حلاً عادلاً ودائماً للمسألة الكوردية في سوريا لا يهدد وحدة الأراضي السورية، بل على العكس، يمكن أن يكون ركيزة للاستقرار إذا ما استند إلى شراكة حقيقية واعتراف بالحقوق القومية والثقافية ضمن إطار سوريا الموحدة، هذا الطرح قد يفتح الباب أمام صيغة جديدة تقوم على الإدارة الذاتية الموسعة او تعديل في قانون الإدارة المحلية، مستفيدة من الدروس العراقية ومتجنبة أخطاءها.

ثمة كيمياء خاصة بدأت تتشكل في العلاقة بين الرئيس نيجيرفان بارزاني والرئيس أحمد الشرع، فكلاهما ينتمي إلى جيل جديد من القادة الذين يمزجون بين البراغماتية السياسية والرؤية طويلة المدى، الرئيس بارزاني، بخبرته الدولية الواسعة وحسه الدبلوماسي الرفيع، يدرك أن الرئيس الشرع يمثل سوريا مختلفة، تبحث عن موطئ قدم في النظام الإقليمي الجديد، من جهته، يرى الرئيس الشرع في الرئيس بارزاني شريكاً موثوقاً وقادراً على فتح قنوات مع الغرب، وفي الوقت نفسه لاعباً أساسياً في المعادلة العراقية القلقة، هذه العلاقة قد تؤسس لتحالف غير معلن يتجاوز الحسابات التقليدية في المنطقة.

زيارة الرئيس نيجرفان بارزاني تندرج أيضاً في سياق إعادة تعريف العلاقة بين العراق وسوريا، فرغم أن رئيس الإقليم يزور بصفته الكوردستانية، إلا أن الخطوة تتم بتنسيق ضمني مع بغداد التي تدرك أهمية أن تكون شريكاً في صياغة مستقبل الجوار السوري، إنها رسالة بأن العراق، بكل مكوناته، قادر على لعب دور بناء في سوريا، بعيداً عن الاصطفافات الحادة التي تمزق المنطقة، وفي لحظة تشهد توتراً متصاعداً بين واشنطن وطهران، حيث تتحول الساحتان العراقية والسورية إلى حلبة لهذا الصراع، تصبح قنوات التواصل المباشر والمتوازن كالتي يمثلها الرئيس بارزاني، ضرورة لامتصاص الصدمات ومنع انزلاق الأمور إلى مواجهة شاملة.

ما لا يقال بصوت عالٍ في هذه الزيارة، لكنه يتردد في أروقة صنع القرار، هو أن الرئيس نيجيرفان بارزاني يفتح مساراً جديداً في لعبة التوازنات الإقليمية، ففي وقت تتصاعد فيه النبرة الإيرانية ضد أي انفتاح عربي وكوردي على دمشق، تعلن أربيل بوضوح أنها لن تكون رهينة لأي محور، وأن مصالحها الاستراتيجية تقتضي بناء جسور مع كل الأطراف بمن فيهم سوريا الجديدة.
كما أن الزيارة تكسر احتكار أنقرة للملف السوري وتقدم رؤية بديلة، لا تتقاطع بالضرورة مع المصالح التركية، بل تكملها: حوار كوردي-عربي سوري برعاية وإلهام من تجربة كوردستان العراق.
وأخيراً، لا يمكن إغفال البعد الرمزي العميق: زعيم كوردي يدخل دمشق من بوابتها الواسعة، لا متخفياً ولا من بوابة الخلف، بل ضيفاً رسمياً على رأس الدولة، ليعلن أن الكورد لم يعودوا هامشاً في معادلات المنطقة، بل رقماً صعباً في أي تسوية مستقبلية.

في المحصلة، زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ليست حدثاً عابراً في أجندة أخبار الشرق الأوسط، بل فصل جديد في كتاب يعاد تأليفه، هي زيارة تختبر إمكانية قيام شرق أوسط مختلف، تقوم هندسته على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، وتكون فيه القوميات والمكونات جسوراً للتواصل لا جدراناً للعزلة، وبين يدّي الرئيس أحمد الشرع، تضع هذه الزيارة مفتاحاً من ذهب، فهل تفتح به دمشق باباً جديداً نحو مستقبلها، مع جار كوردي يقدم دروساً في الصمود والبناء، ويداً ممدودة بصدق الصادقين؟ الأيام القليلة القادمة وحدها ستكشف عمق هذا التحول الاستراتيجي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مرحلة النضال السري في ظل نظام الاستبداد البعثي ( ١٩٦٣ – ٢٠٢٤ ) كان مجرد الانتساب الى حزب كردي يحمل برنامجا سياسيا معبرا عن إرادة الشعب ، ويرفع شعارات تدعو الى تبديل النظام ، وإيجاد البديل الديموقراطي ، وحل القضية الكردية حسب مبدأ تقرير المصير يعني نوعا من المغامرة على صعيد المستقبل الشخصي ، فكيف ان سخرت…

د . مرشد اليوسف ليس كل اندماج اندماجًا، وليس كل انخراط في مؤسسات الدولة شراكة وطنية. فثمة فرق جوهري بين أن يكون الإنسان مواطنًا كامل الحقوق ، وبين أن يصبح مجرد رقم في جهاز إداري لا يعترف بخصوصيته القومية والثقافية. ومن هنا تبدأ الإشكالية الكردية في سوريا، ليس باعتبارها أزمة تمثيل سياسي فحسب، وإنما بوصفها أزمة في مفهوم الدولة ذاته….

حسن قاسم أي مشروع سياسي يخص الكورد في سوريا لن ينجح إذا تجاهل خصوصية التجربة الكردية وذاكرة قرن من الوعود المكسورة. لم يعد خافيًا حجم التأثير التركي في الملف السوري، ولا سيما في مناطق الشمال، حيث باتت أنقرة لاعبًا رئيسيًا في رسم كثير من ملامح الواقع السياسي والأمني. وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى الداخل التركي، حيث تتردد أحاديث عن مسار…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   ليست الهزيمة دائماً في ساحات القتال، فثمة هزائم أشد وقعاً حين تقع داخل السجون، حيث يظن الطغاة أن قبضتهم مطلقة وأن الخوف سيد الموقف. وما حدث في سجن “قزل حصار” بمدينة كرج، عندما نجح نحو 1500 سجين محكوم بالإعدام في إرغام سلطات نظام الولي الفقيه على التراجع بعد…