عامودا: مطبات و قبور

حسين جلبي

ذهبت إلى محكمة عامودا لمُتابعة جلسة في إحدى الدعاوي الخاصة بأحد موكلي المُحامي نذير مُصطفى رحمهُ الله عندما كُنتُ أتدرب في مكتبه، رافقتُ الموكل في سيارته و كان رجلاً كبيراً في السن يُغطي رأسهُ بغثرةٍ ناصعة البياض و عقالٍ أسود.

بعد عودتي سألني أستاذي رحمه الله عما حدث معي و أهم ما جرى في المحكمة، قلتُ لهُ بأن أهم ما جرى لي هو أن موكلهُ كان يقود السيارة ببطءٍ شديد، و لكنه كلما لمح مطباً أسرع إليه و كأنه شوماخر في (الفورميلا وان) فوقعت فيه السيارة و إرتفعنا على إثر ذلك ثلاثتنا، أنا و هو و السيارة عن الأرض ثم سقطنا سقوطاً حُراً قام الرجل على إثرهُ بالإبطاء ليُعدل عقالهُ وسط دهشتي و إستغرابي،
 و هكذا أصبح عندي رُهاب المطبات، فبقيتُ مُمسكاً بالمقبض الموضوع على الباب طوال الطريق، و كلما لمحتُ حُفرةً شعرتُ بألمٍ شديد في معدتي و أمعائي إنتظاراً للقضاء و القدر، في النهاية لم يوفر الرجل مطباً من القامشلي إلى عامودا إلا و زارهُ بإستثناء واحدٍ يقعُ قبل مدخل المدينة التي نستهدفها بأمتارٍ قليلة، و قد تسبب عدم سقوطهُ فيه بألمٍ أشد أصابني.

قال الأستاذ نذير رحمهُ الله مُبتسماً: هذا ما حدث معي أيضاً في مرةٍ سابقة، و لكن كان عليك أن توقفهُ بعد المطب الذي لم تسقطوا فيه و تطلب منهُ العودة إلى ما قبلهُ للقيام بالواجب إحتراماً لشعور السيارة، و عملاً بالمساواة بين المطبات..
لكي أتخلص من الرجُل، كذبتُ عليه بعد إنتهاء جلسة المحاكمة (كذبةً بيضاء)، فقد إدعيت أن لي أعمالاً أُخرى في عامودا ينبغي علي إنجازها و سيستغرق ذلك وقتاً طويلاً، فصرفتهُ رغم إصرارهُ الشديد على إعادتي معهُ إلى القامشلي في سيارته المجوقلة، و عندما إطمأنيتُ إلى ذهابه، سارعتُ و أنا ألتفتُ حولي مرعوباً إلى أقرب سيارة نقل للعودة إلى بيتي، داعياً ربي خلال ذلك أن لا يلمحني رفيق السفر حتى و أنا على الطريق في سيارة الأجرة فيقوم بإنزالي ليوصلني.
اليوم ثمة من لا يكتفي بإدخال الناس في مطبات إصطناعية حفرها داخل مدينة عامودا، بل بدأ بحفر قبور عميقة سيغرق فيها الجميع، و لن يُتاح لأحدٍ الخروج منها ثانيةً لتعديل كفنه.
اللعبة بلغت مرحلة خطيرة جداً أيُها السيدات و السادة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني   تمهيد: القضية ليست بطاقة ليس كل من حمل بطاقة حزبية كان من أبناء القضية، وليس كل من بقي خارج التنظيم كان غريباً عنها. الانتماء الحقيقي لا يُمنح في مكاتب الأحزاب، ولا يُقاس بعدد الشعارات أو بحجم الحضور في المهرجانات، بل يُختبر في لحظات الصمت، حين يغيب التصفيق وتبقى المواقف وحدها شاهدة على صدق أصحابها. قد يرفع كثيرون…

د. محمود عباس   لماذا يحتاج النضال الكوردي إلى إعادة تعريف؟ على امتداد أكثر من قرن من الزمن، خاض الشعب الكوردي واحدة من أطول حركات النضال السياسي في الشرق الأوسط. فمنذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتوزع كوردستان بين أربع دول إقليمية، دخلت الحركة الكوردية مسارًا طويلًا من المقاومة السياسية والعسكرية، اتخذ أشكالًا متعددة، من الانتفاضات المسلحة إلى العمل الحزبي السري، ومن…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* يُسمع هذا الصوت من الشعب الإيراني: «لم نثُر ليكون مصيرنا التبعية والديكتاتورية من نوع آخر». إنهم يقولون: «نحن شعب إيران نملك حق تقرير المصير، وقد انتهى عصر الديكتاتورية في إيران». نهاية عصر تجاهل الحقيقة الإيرانية هذا الصوت يحمل معناه ومفهومه للأطراف التي تفقه «العلم» و«المعرفة»، ويدلنا على اتجاه البحث عن الحقيقة الإيرانية؛ الحقيقة التي صاغها صدى نضال…

ا. د. قاسم المندلاوي عانى الكورد عمومًا ، والكورد الفيليون بشكلٍ خاصة ، أشدَّ الآلام والقهر والأحزان على أيدي حكوماتٍ عراقيةٍ عنصريةٍ وشوفينيةٍ ظالمة. وقد استُشهد منهم آلاف الشباب في سجون التعذيب داخل العراق، كما قُتل الآلاف أثناء زجّهم في مقدمة جبهات القتال مع إيران، حيث أُجبروا على السير في حقول الألغام كدروعٍ بشرية لحماية الجيش العراقي . ولا يزال…