تحول مثير في الموقف الأمريكي تجاه الثورة السورية – الجزء الأول

د.

محمود عباس

    تغييرات نوعية تجول أروقة السياسة الأمريكية الخارجية، حول اختيار التيارات الأصح لسوريا القادمة، والتي يجب أن تقود الثورة، وأن تدعم.

بعد أن عملت طويلا على مبدأ تقويض الإرهاب بمساعدة اصحابها، ضرب التيارات الإسلامية المتطرفة عن طريق دعم وتقوية الإسلام السياسي الليبرالي، وبمساعدة دول عربية واسلامية، ومحاولات التقريب بين المفهوم الديمقراطي لدى الدول المتطورة و مفاهيم ومناهج الحكومات التي تتبنى المبادئ والإسلوب السياسي المذكور في تسيير شعوبها، كتركيا على سبيل المثال، وعليه دعمت وأخرجت إلى الساحة السياسية حكومة مصر الإسلامية،
 تزايد هذا الدعم إلى الدرجة التي  ألصق البعض من الجمهوريين المتطرفين في أمريكا رئيس الجمهورية باراك أوباما بالدين الإسلامي، مثلما أتهمه البعض بالتطرف الإشتراكي لليبراليته.

لكن الواقع  الحاضر تبين ظهور إنحراف ما عن تلك الإستراتيجية، وبشكل خاص في العالمين العربي والإسلامي، بعد  تبيان عدم فعاليتها في الواقع العملي، وتأكدوا على أنه لا يوجد اسلام سياسي معتدل عند تطبيق مبادئ الدين الإسلامي.

والثورة السورية اليوم تعاني من هذه المعضلة، إلى أن اصبحت كحقل تجارب  للدبلوماسية العالمية، وعلى رأسهم أمريكا، التي بدأت وبشكل فاضح تنقب في كل المجالات، وتدعم دول متناقضة سياسياً، لتكوين قوى جديدة، تحاول تحفيز التيارات الشبابية الثورية، داخل سوريا الوطن.

   الولايات المتحدة الأمريكية، كانت ولا تزال، تملك القدرات على تغيير مسار الثورة السورية، ولها امكانيات الوصول إلى أفضل الإتفاقيات مع الروس، واقناع بوتين، واخرج إيران من المعادلة، بل وعزلها كطرف من المشكلة، بتحركات دبلوماسية ما، لكنها تمعن في الأساليب والقدرات بنفس السوية من الدراسة للتيارات الحاضرة والتي ستظهر مستقبلاً، تنظر إلى كل الأبعاد، وتدقق في مستقبل مصالحها ومصالح اصدقائها المقربين، الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية بروية، ومن وجهة نظر الطرف الأكثر ليبرالية في الحزب الديمقراطي، والذين كانوا الأكثر تاثيراً على عدم التدخل الخارجي لمساندة الثورة، وجرف الصراع السوري إلى السوية الحاضرة.


   بعكس الروس، الذين صرحوا اليوم، بأنهم لا ينوون الضغط على بشار الأسد لتحميله على الرحيل، والحقيقة ليس بأنهم لا يرغبون، بل لأنهم لا يملكون القدرات الأمريكية على ذلك حتى ولو أرادوا، فسيادتهم تتركز على عملية الدعم العسكري والإعلامي، وقدراتهم تكمن بوقف هذه المساعدات.

لكن أمريكا قادرة على الحالتين،  ايقاف الدعم الروسي، وعزل بشار الأسد، وهي حقيقة، البعض يشكك فيها، لأنهم لا يريدون أن يروا ماوراء الظاهر من الدبلوماسية الأمريكية.


  للولايات المتحدة الأمريكية القدرة على تغيير وجهة نظر أغلب دول العالم، إذا تعارضت مع مصالحها، ونحن هنا بصدد الثورة السورية، والتناقضات  الفاضحة بين الدبلوماسيتين، الإعلامية، والمخفية في الصالات المغلقة.

الكل يتذكر يوم قررت إخراج عراق صدام حسين من المعادلة في الشرق الأوسط، بعد أن أبقاها متوازنة مع أيران على مدى ثمانية سنوات من الحرب، وبعدها بشهور تمكنت من تغيير المعادلة.

وكانت لها القدرة على أن يفرض على بشار الأسد بطرد ابناء صدام ونائبه من داخل الأراضي السورية، بل وسلموهم بشكل مباشر إلى الأمريكيين.

طردت أمريكا القوات السورية العسكرية والامنية بين ليلة وضحاها من لبنان، وبدون قيد وشرط، بعد ثلاثين سنة من الاستعمار العسكري والسياسي الفظيع.


  الأمثلة عديدة على القدرات التي تملكها الولايات المتحدة الأمريكية في التأثير على السياسات العالمية، وعلى حكومات الشرق الأوسط بشكل خاص، أكثر مما يتصوره ويحلله الباحثين القوميين في المنطقة، والذين يتباهون بمقدرات حكوماتهم، والتعامل الخارجي.
   تختلف هذه التوجهات حسب السياسة الأمريكية الداخلية ذاتها، وحسب الحكومات المنتخبة، أي عملياً بين الجمهوريين والديمقراطيين، وللأسف حددت مصير الثورة السورية، خارجياً وفي كثيره داخليا، حكومة ليبرالية جداً من داخل الحزب الديمقراطي، قناعاتهم في السياسة الخارجية تأتي عن طريق منطق الحوار وعامل الزمن والإرضاخ الاقتصادي، مع رفض مطلق لعامل القوة، والاحساس بالمسؤولية العالمية.

بخلوا في جميع أنواع الدعم، وفرضوا نفس السياسة على اغلب الدول التي كانت تريد  تقديم العون، وأرسلوا قضية الشعب السوري إلى مجلس الأمن يوم أرادوا التخلي عن مواقف حازمة، ورضخت لسياستهم الدول العربية المؤيدة للثورة.


   لا شك إن الحكومة الأمريكية كانت قادرة على اختصار الصراع السوري، إلى درجة تغيير السلطة في فترة زمنية سابقة، حتى قبل ان يتمسك روسيا بمواقفها، وتجد لذاتها أهمية على الساحة، وانتهازها فرصة تقاعس الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا المنطق لا تلغى التوقعات الأبعد من الصراع الموجود على الإعلام بينهما، على إنهما متفقان مسبقاً على كل ما يجري الأن في الثورة السورية، بدءاً من خلق التوازن بين الثوار وسلطة بشار الأسد وجلاوزته إلى أطول فترة ممكنة، علما أن الطرفان  مقتنعان بأن السلطة زائلة لا محالة، وعليه فالاتفاقيات الدبلوماسية الحقيقية ليست تلك التي تظهر على الاعلام، بل تلك التي عقدت وتعقد في الأروقة المظلمة، ليس فقط لتقرير مصير الثورة وبشار الأسد وشبيحته، بل لإحداث تغيير أشمل في كل منطقة الشرق الأوسط.
يتبع…
د.

محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com

  إيلاف

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس طرق أبواب حيتان الفساد في العراق ليست عملية سهلة ولا عابرة، فهي لا تعني فتح ملفات مالية فقط، بل تعني الاقتراب من بنية عميقة تشابكت فيها السلطة بالمال، والميليشيا بالحزب، والقرار الإداري بالولاء الخارجي. نحن لا نتحدث عن دولة فقيرة، بل عن دولة مرّت عليها خلال عقد واحد ثروة تكفي لإعادة بناء العراق…

مصطفى عبد الوهاب العيسى   في جميع دول المنطقة ، وخلال الأشهر الأخيرة بشكل خاص أصبحنا نلاحظ حالة من التخبط في السياسات الكردية التي تنتهجها النخب والأحزاب الكردية ، وتبعاً لعمر الحركات الكردية في هذه الدول ، ونسب الكرد فيها ، وتوزعهم الديموغرافي ، تتفاوت درجات هذا الاضطراب والضياع الذي يعاني منه المشهد السياسي الكردي . وأرى أن المتأمل بدقة…

ماهين شيخاني ليست قيمة أي برلمان بعدد أعضائه، ولا بجمال النصوص الدستورية التي تحدد صلاحياته، بل بقدرته على تمثيل المجتمع تمثيلاً حقيقياً، وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية باستقلالية كاملة. فالبرلمان الذي لا يعكس التنوع الوطني، ولا يستطيع مساءلة الحكومة، يتحول إلى مؤسسة شكلية تمنح الشرعية للسلطة أكثر مما تمنح الشعب صوتاً حقيقياً. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه اليوم…

مهند محمود شوقي ليست التنمية في الإقليم، أو في أي مكان آخر، مجرد تراكم لمشاريع إسمنتية أو أرقام تُسجّل في تقارير رسمية. إنها في جوهرها اختبار لقدرة الدولة على الاستمرار في العمل وسط أزمات سياسية واقتصادية متشابكة، وعلى تحويل الضغوط إلى مسارات إنتاج بدل الانكماش. منذ عام 2019، واجه إقليم كوردستان واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخه…