القلق الكردي في سوريا

كلمة العدد
كتبها: صبري رسول

لم يكن للكردي ذنبٌ في تقسيم بلاده وفق خرائط جائرة لا يد له في رسمها، خرائط اتّفقت تعرّجاتُها الهندسية على الورق مع توزيع المصالح السياسية والاقتصادية على «وجه غايا» لدولٍ سيطرت على المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى(فرنسا وبريطانيا) وألحقَت الاتفاقاتُ الكبرى بينها أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى أجزاء من بلاد الكرد بدولٍ حديثة النشأة، كتركيا الفتاة «وريثة الدولة العثمانية» وسوريا والعراق، إضافة إلى الجزء الرَّازح تحت سيطرة الفرس بعد معركة «جالديران»1416 والصفويين.

رضخت شعوب المنطقة لأمر الواقع، وبعد تشكيل الحكومات المحلية في هذه الدّول، التي وُصِفت بالوطنية، تنكّرت لوجود الشّعب الكردي، الموزَّع حسب خرائط جغرافية  لم يكن للكرد رأي في هندستها، ولا يد لتلك الحكومات في وضع معالمها، لكنّها قدّسَت التّخوم الملوّنة على الورق حفاظاً على استمرار وجودها بعد الانقلابات العسكرية المُقلِقَة ولمعاقبة الكرد على الأرض.

وبدأ صراع الكرد مع تلك الحكومات في مختلف المراحل التاريخية منذ عشرينات القرن الماضي، نتيجة سيطرة النّزعات القومية الاستعلائية ونشرها ثقافة معادية للمعايشة مع الآخر.

لم تحاول الحكومات والشعوب التي تعايَشَ معها الكردُ إيجاد حلٍّ يؤدي إلى استيعاب الوجود الكردي والاعتراف به، لممارسة حقوقه القومية والديمقراطية.

بل اتّخذت الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال طابعاً عنفياً وبكلّ الأشكال ضد الكرد خاصة في كردستان …..

(العراق وإيران وتركيا) تنامَت مع هذا العنف، مشاعرُ العداء للوجود الكردي، والنّظر إليهم كأعداء داخليين، والتّشكيك بولائهم وبأنَّهم يهددون الكيان السياسي والجغرافي لتلك الدول.
وفي سوريا ورغم مساهمة الكرد في إنجاز الاستقلال الوطني، وبناء الدولة السورية، لم تشعر الأنظمة التي أظهرت لبسَها لتاج العروبة، بالارتياح للوجود الكردي، وزرعت ثقافة عدائية ضدهم وحاربت تطلعاتهم القومية في إطار وحدة البلاد، مُطبِّقةً بحقّهم سياسيات تمييزية عرقَلَت تطورهم الطّبيعي، كتجريدهم من الجنسية، والاستيلاء على أراضيهم، وزرع قبائل مستقدمة من محافظات أخرى في أريافهم إضافة إلى محاربة ثقافتهم ولغتهم…إلخ.
فخلال مراحل نضالهم السّياسي الطَّويل لم تظهر لدى الشَّعب الكردي النزعات الانفصالية التي ألصقَتْها به العقلية الشّوفينية والذّهنية المتقوقعة، زوراً وبهتاناً، تغطيةً لسياساتها الفاشلة في بناء الدولة المؤسساتية الديمقراطية، والمجتمع المدني.
الآن وبعد مرور سنة وتسعة أشهر من الثّورة السّورية العظيمة ماتزال ذهنية »ثقافة البعث« هي البوصلة في تحديد الموقف من المطالب الكردية، وتلك النّظرة هي التي تتحكم في اتخاذ قرارات بعض القيادات المعارضة التي لا تتحرّر من عباءة »عفلق -أرسوزي« برفض قبول الآخر، وهذا ما تبيَّنَ في مؤتمرات المعارضة السورية في استنبول والقاهرة والدوحة، فلم تتجاوزْ رؤيتُهم لحقوق الكرد سقفَ المواطنة في دولة القانون، مما يجعل الكردَ قلقين على مستقبل وشكل الدّولة السّورية، ومتخوّفين من نظامٍ قد يتنكّر لحقوقهم لاحقاً، ولم يتمكّنوا ومن خلال مجلسَيْهم » المجلس الوطني الكردي المؤَسَّس في 26/11/2011والمكوّن من ستة عشر حزباً، ومجلس شعب غربي كردستان «  التابع لحزب الاتحاد الديمقراطي، تخطّي تخوّفهم للانضمام إلى المجلس الوطني السوري، أوالائتلاف الوطني للمعارضة والتغيير.
الجانب العربي في المعارضة السورية يجبُ أن يمتلك الجرأة، للاعتراف بالحقّ الكردي كشريك يتساوى معه في سوريا المستقبل وعدم ترك الشعب الكردي في مهب القلق والمجهول على مستقبله، وإزالة مخاوفه من صعود التيارين الديني والعروبوي وتنامي نفوذهما في الائتلاف السوري المعارض، لطمأنة الكرد من عدم تكرار تاريخ الاضطهاد القومي بحقهم منذ الاستقلال.

وبناء سوريا الجديدة يتطلب عقداً اجتماعياً  يتساوى فيه المواطنون بغض النظر عن العرق والدين والجنس، ولا ينتهي عندها وتُثبَت الحقوق دستورياً بما يتوافق المواثيق ولوائح حقوق الإنسان.
ومن جانبٍ آخر يعزّز انضمام الكرد إلى صفّ المعارضة قوتها، ويجعلها تمثّل الغالبية العظمى من الشعب السّوري، ويبدّدُ مخاوف الأطراف الإقليمية والدّولية من عدم انفتاح المعارضة السّياسية على كلّ المكونات السورية القومية والدينية، طالما أنّ الهدف من توحيد المعارضة هو إسقاط النّظام الاستبدادي والشمولي، وبناء سوريا ديمقراطية تعددية تشاركية تتّسع لكلّ السوريين.
* يصدرها الاعلام المركزي لحزب آزادي الكردي في سوريا – العدد (449)

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا أيها السادة، الشعب ليس قطيعا من المتفرجين على بازاركم السياسي، وليس مطلوبا منه أن يصفق كلما أطلقتم شعارا ضخما أو افتعلتم معركة جديدة حول كلمة ومصطلح ولهجة وهوية. الشعب لديه ما هو أهم من كل هذه المسرحيات: يريد أن يأكل… يريد أن يعمل… يريد كهرباء وماء ودواء… ويريد مازوتا يكفيه ليبقى أطفاله دافئين في الشتاء. أما أن تجلسوا…

عبدالقادر حسن تواصل مدينة إيسن الألمانية احتضان منافسات كأس العالم SOCCA 2026 لكرة القدم السداسية، البطولة الدولية التي تجمع منتخبات كرة القدم المصغرة تحت مظلة الاتحاد الدولي للسوكا International Socca Federation (ISF). وتقام نسخة هذا العام في ألمانيا خلال الفترة من 28 أغسطس حتى 6 سبتمبر، بمشاركة منتخبات من مختلف القارات في واحدة من أبرز بطولات كرة القدم السداسية على…

عاكف حسن Akif Hasan أكتب هذا المقال لسبب بسيط: لأنني، بمناسبة وبدون مناسبة، أسمع الأسطوانة نفسها تتكرر من جانب منظومة حزب العمال الكردستاني وكوادرها وناشطيها: الدولة القومية وباء، الحدود مشكلة، القومية فكرة تجاوزها الزمن، والحل هو الديمقراطية. والله، لقد صرنا نخجل من أنفسنا ونحن نسمع الأسطوانة ذاتها تدور منذ سنوات. فالديمقراطية أصبحت كلمة تصلح لكل شيء: مجتمع ديمقراطي، إدارة ديمقراطية،…

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…