ما الذي يريده جلال الطالباني؟!

صالح القلاب

ليست مجرد مصادفة أن ينوب كرديان، هما الرئيس جلال الطالباني ووزير الخارجية هوشيار زيباري، عن رئيس الوزراء نوري المالكي في نقل وجهة نظر إيران لا العراق في مواقف وقرارات الجامعة العربية المتلاحقة المتعلقة بالضغط على نظام الرئيس بشار الأسد وعائلته، لإرغامه على إيقاف هذه المذابح، التي بقي يمارسها ضد الشعب السوري على مدى الأشهر الثمانية الماضية.

والمؤكد أن المقصود من وضع الأكراد، على هذا النحو، في مواجهة الرأي العام العربي والإسلامي وأيضاً العالمي هدفه الإساءة إليهم، والحفاظ على ماء وجه نوري المالكي وكل الطائفيين والمذهبيين العراقيين الذين دأبوا على التعامل مع الأوضاع العراقية الداخلية ومع الأوضاع العربية وفقاً لمصالح إيران و”أجنداتها”، وليس وفقاً لمصالح بلدهم العراق، وهذه مسألة باتت واضحة ومعروفة، ولا تحتاج إلى أدلّة ولا إلى براهين.
كان نوري المالكي، وهو رئيس وزراء، قد شكا مر الشكوى من تدخل نظام بشار الأسد السافر في الشؤون الداخلية العراقية، وكان “الأخ جواد”، وهذا هو اسمه الحركي عندما كان مجاهداً في حزب الدعوة الأكثر ولاءً لإيران الخمينية، قد اتهم هذا النظام بأنه المسؤول عن أبشع العمليات الإرهابية التي استهدفت وزارة الخارجية وعلى رأسها هوشيار زيباري ومنشآت مؤسسات أخرى، ولهذا فإن المفترض ألا يرضخ العراق لحساب المصالح الإيرانية، وأن تكون قراراته ومواقفه، حتى بالنسبة إلى ما ذهبت إليه الجامعة العربية، وفقاً لمصالحه الوطنية ومصالح شعبه، ومن بينه الأكراد الذين يكفيهم ما تعرضوا له من ويلات وكوارث على مدى سنوات التاريخ الحديث كله.
والمُستغرب حقاً وفعلاً أن يقبل هوشيار زيباري بذلك وهو الذي يحتل هذا الموقع ممثلاً في الدائرة الأضيق للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي أسسه المُلا مصطفى البارزاني في بدايات ستينيات القرن الماضي، وقدم عشرات الآلاف من الشهداء دفاعاً عن قضايا شعبه، وأولها كرامة هذا الشعب، وممثلاً في الدائرة الأوسع لأكراد العراق كلهم الذين هم الأَوْلى حتى من العرب بالوقوف ضد الظلم الذي بقوا يتعرضون له على مدى حُقَب التاريخ الحديث منذ الحرب العالمية الأُولى وقبل ذلك، وهو ما يتعرض له حالياً الشعب السوري وفي طليعته أكراد سورية.
نحن نعرف أن رئيس إقليم كردستان العراق والزعيم القوي للأكراد في كل دول هذه المنطقة وخارجها مسعود البارزاني قد طلب من أكراد سورية أن يتخذوا مواقف الشعب السوري وألا ينفردوا بأي موقف، كما أننا نعرف أن “مام جلال” تربطه علاقات بعضها معروف وبعضها غير معروف بهذا النظام، إن في عهد الأب وإن في عهد الابن، وأن خطوط الاتصالات السرية بين السليمانية وبين دمشق بقيت سالكة منذ بداية هذه الأحداث السورية إلى الآن، وأنه لم يتوقف عن عمليات التحشيد والتعبئة في أوساط الأكراد السوريين لحملهم على الاصطفاف إلى جانب بشار الأسد، واتخاذ موقفه وموقف نظامه ضد هذه الثورة المتصاعدة.
والمؤكد أن الأشقاء الأكراد يعرفون أن دافع هذا الكلام هو الحرص على عدم تشويه الصورة الجميلة لهذا الشعب العظيم المكافح، والمقصود هنا هو أكراد العراق وأكراد إيران وأكراد تركيا، الذي إن لم يكن اصطفافه إلى جانب الشعب السوري بعَرَبه وكُرْده فعلى الأقل ألا يُوضع كواجهة إعلامية لانحياز نوري المالكي لمصالح إيران على حساب مصالح العراق ومصالح شعبه، وعلى الأقل أيضاً ألا يسمح لـ”مام جلال” الطالباني أن يفعل هذا الذي يفعله، فضلاً عن محاولته الآن عقد مؤتمر في أربيل لبعض شرائح الأكراد السوريين لدعم ومساندة نظام بشار الأسد، الذي يشكّل امتداداً للذين كانوا أعدّوا مشروع التطويق العنصري ضد أكراد مناطق الحدود السورية-

 صحيفة الجريدة الكويتية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

حوران حم لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود. فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة…