مقالات

مستقبل سوريا مرهون بإرادة جميع أبناءها

زيور العمر
 

قلنا في أوقات سابقة ، أن من بين ما نجح فيه النظام السوري ، و كان سبباً في بقاءه في سدة الحكم طوال  العقود الماضية ،هو قدرته على إحداث الشروخ و الإنقسامات في النسيج الوطني و الإجتماعي في سوريا ، و إثارة الشكوك بين مكونات الشعب ، و ترسيخ مشاعر الخوف و الرعب  من التيار الإسلامي في سوريا ، و المقصود به ، جماعة الإخوان المسلمين , و إعتبار أي نهوض لهذا التيار، و إحتمال إستلامه للسلطة في البلاد ، بمثابة الكارثة التي ستقع على رؤوس الجميع .

و قدر للنظام ، بفعل عوامل داخلية و دولية ، أن ينسج قصص و حكايات فظيعة عما سيجري في البلاد في ظل هؤلاء الإسلاميين.
و كانت النتيجة ، أن كل مكونات سوريا ، القومية  و الدينية ، صارت تتوجس من أي إتصال ، حوار و علاقة مع جماعة الإخوان المسلمين .

و إستمر هذه الحال في الواقع السياسي السوري، المعارض طبعا ً، الى ما بعد إستلام بشار الأسد الحكم .
بل أن النظام حاول نأي كل الإتجاهات السياسية في السورية عن التعامل مع القوى المرشحة لأن تكون بديلا ً عن النظام القائم ، او التي تشكل خطرا ً عليه ، كما كان الحال ، بالإضافة الى جماعة الإخوان المسلمين , مع رابطة العمل الشيوعي ، على سبيل المثال.


إنصافأ للحق ، علينا أن نسجل لجماعة الإخوان المسلمين ، أن هي من أخذت زمام المبادرة ، فقامت بالإتصال مع قوى المعارضة الوطنية السورية , و سعت بكل الوسائل الى صياغة لغة وطنية مشتركة معها ، إستهلتها بالتوقيع على ميثاق العهد الوطني مع العديد من القوى و الشخصيات السورية المعارضة في لندن ، في بدايات العقد الأول من القرن الحالي, و واصلت جهودها للتقارب مع باقي قوى المعارضة ، فأعلنت عن دعمها لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديممقراطي في سوريا في 2005 ، قبل أن تتحالف مع عبد الحليم خدام ، لاحقا ً ، في جبهة الإنقاذ الوطني.
و عندما قلنا أن ما حدث من تقارب بين الإخوان و باقي أطراف المعارضة يحسب للأول، فذلك لأن جماعة الإخوان المسلمين ، هي من بادرت الى تكييف رؤيتها ، و تصورها السياسي ، مع المتغيرات السياسية , و ليست القوى و الجهات الأخرة في المعارضة السورية ، حتى بات لا يوجد أي خلاف على مدنية الدولة و ديمقراطيتها , أو حقوق الجماعات الدينية و المذهبية ، و إحترام معتقداتها ، و قبول حقوق الكرد  و غيرهم من القوميات في سوريا  في إطار وحدة الأراضي السورية ، كما دلت على ذلك  رؤى و مواثيق المؤتمرات و الإجتماعات التي شاركت جماعة الإخوان المسلمين  فيها , و كانت الكتلة الأكثر حضورا ً و فعالية فيها ، منذ بداية الإنتفاضة السورية في 15 آذار.
لا شك ، هناك توجس من التيارات الإسلامية ، و إيديولوجيتها , و مشاريعها ، و جماعة الإخوان المسلمين إحدى التيارات الإسلامية الرئيسية في المنطقة و سوريا.

و إحدى أهم التحفظات على التيار الإسلامي هي أنه يعمل من أجل صهر المكونات المجتمعية في منظومته الدينية العقائدية ، التي لا تقبل التنوع  و التعددية في المجتمع , و لكن واقع الحال في سوريا يؤكد أن مجتمعها متنوع قوميا ً و دينيا ً و مذهبيا ً، و أن نسبة  السنة لا تشكل أكثر من ستين بالمائة , و الإخوان في أكثر الأحوال لا يشكلون أكثر من خمسين بالمائة ، بمعنى أن الجماعة لا يمكن أن تحصل في أية إنتخابات برلمانية حرة و نزيهة أكثر من ثلاثين بالمائة من مقاعد المجلس النيابي السوري , و بالتالي فإن أية حكومة ديمقراطية تتشكل في سوريا المستقبل لن تكون إلا حكومة إئتلافية تشارك فيها أكثر من مكونين سياسيين على الأقل حتى تحوز على ثقة البرلمان, و جماعة الإخوان المسلمين تدرك هذه الحقائق أكثر من غيرها , و على ضوءها ، تنسج علاقاتها و تحالفاتها السياسية .
لذلك من الضروري التعامل مع  جماعة الإخوان المسلمين  في سوريا ، إنطلاقاً من الحقائق السياسية السابقة ، و ليس من إفتراضات غير موضوعية , و إعتبارها أحد أطياف العمل الوطني السوري , و علينا أن نقر بأن الوصول معها الى رؤى و مبادى مشتركة لشكل الدولة القادمة في سوريا ، لبناء  توافق وطني في البلاد ، هو أمر في غاية الأهمية ، فالمرحلة الإنتقالية بعد سقوط النظام قادمة لا محال ، و هي تستلزم  ضمان حرية مشاركة جميع القوى السياسية ، حتى تجتاز البلاد حالة الخطر ، و تصل الى بر الأمان.


سوريا ، بخلاف تونس و مصر و ليبيا و اليمن ، دولة متعددة القوميات و الأديان و المذاهب ، لا يمكن لمستقبلها أن يكون مرهونا ً بإرادة طيف أو مكون بعينه ، و أنما تحدده شراكة جميع أبناءه.


23/11/2011

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: welateme

الحوار الكردي المبهم

صبري رسول يُعدّ الحوار أحد أدوات التواصل بين طرفين، شخصين، قوتين أو قطبين، لمعرفة آراء الطرف الآخر، وإمكانية العمل معاً، لجمع الطاقات…

ماجلان وأوجلان والدوران

وليد حاج عبدالقادر / دبي بداية لابد من التوكيد على أمر حيوي فرغم كثرة الأمثال والأقوال المأثورة في الثقافة الكردية ، لابل…

لأجل هذا خرجنا

ماجد ع محمد بالرغم من أن وزارة الخزانة الأميركية كانت قد فرضت قبل عامٍ من الآن عقوباتَ على فصيلين سوريين لتورطهما في…