شعبٌ لم ولن تهزه رياح إنكار الحقوق وإلغاء الوجود

م. نذير عجو

التاريخ والحاضر يشهدان للشعب الكوردي بمدى الغدر والخيانة والعدوان الذي تعرض ويتعرض له على يد شعوب، منهم من شاءت الطبيعة مجاراته، ومنهم من شاءت الغزوات والاحتلالات مجاراته. وقد لحق ما لحق بالشعب الكوردي، وعلى يد هؤلاء الجيران، كل اشكال القهر والاضطهاد والقتل والمجازر، وما يوصف بالابادات الجماعية. ولكنه، كشعب، بقي حيا يخرج في كل مرة من تحت رماد تلك المآسي بلهيب اشد وعزيمة اقوى من اجل اثبات وتحرير الذات ونيل الحقوق المشروعة والمسلوبة على يد قوى تسلطية سادية تعتاش وتنتعش باضطهاد وعذابات الآخرين، ولا ترى في الآخر الكوردي الا عدوا يجب الغاء وجوده.

وبعيدا عن عدوانية وسادية الآخر، فللشعب الكوردي حصته في مسارات مآسيه عبر قبوله بالآخر كوصي عليه، وتوسله له لنيل حقوقه، ومناداته بالتآخي مع الآخر الذي يرفضه ويرفض حقوقه المشروعة، بل يرفض حقيقة وجوده على ارضه التاريخية والسابقة لوجود هؤلاء الالغائيين والساديين. بل يبني علاقاته بقاعدة الثقة بهؤلاء رغم التجارب المريرة والمأساوية معهم، وايضا عبر اختياراته الخاطئة لما يسمونه بالقادة، واكثرهم ليسوا بقادة. فمنهم المتسلق والمتملق والوصولي والانتهازي والاناني، ومنهم من هو مربوط بحبل التبعية ولا يستطيع التحرك ابعد من طول الحبل المربوط به، ومنهم كالحجل يوقع شعبه في فخاخ الاعداء، ومنهم من تطغى عليه نفسية العبد المطيع والذليل لاسِياد يرى فيهم مصدر تسلطه وجبروته على شعبه.

وهنا لا بد من التأكيد ان المسارات المتشابهة لا توصل الا الى نتائج متشابهة، وعلى اعتبار نتائج مسارات الشعب الكوردي السابقة تعلن عن ذاتها كنتائج مأساوية، يشهد لها واقع حال الظلم والانكار المستدام للحقوق المشروعة لشعب يعيش على ارضه التاريخية، ويفوق تعداده الخمسة ملايين ضمن ما تسمى بالخريطة السورية، والتي تحتضن مكونات اثنية وطائفية كثيرة. تثبت وقائع الصراعات التاريخية والحالية استحالة التعايش السلمي فيما بينها في ظل نظام مركزي، الا بصفته الديكتاتورية الطاغية لصالح الطغمة الحاكمة بصفتها الاثنية او الطائفية الضيقة، والتي تكون عنوانا لعدم الاستقرار وامتدادا لدكتاتوريات سابقة احرقت الاخضر واليابس، وجعلت من سوريا بلدا منكوبا بشريا وعمرانيا واقتصاديا ووو…

وعليه، لا سلام ولا وئام بين المكونات السورية الا في ظل سوريا اتحادية لا مركزية، يدير كل مكون ذاته بذاته ويتشارك مع المكونات الاخرى مركزيا في ادارة سوريا بعمومها سياسيا واقتصاديا وعسكريا. وهنا تظهر بوادر بناء الثقة بين المكونات، وربيع الامن والامان والسلام والتعافي نحو البناء والازدهار.

فهل من متعظ يبتعد عن العقلية التسلطية الوقتية والعدوانية الالغائية اتجاه الآخر، ويتعظ انه لا امن ولا امان دون الاعتراف المتبادل بوجود وحقوق الآخر المختلف، وان لا صفة اثنية او دينية او طائفية لسوريا الا بصفتها الجامعة بمبدأ الدين لله والوطن للجميع؟

واليوم، كورديّاً، وامام كل المتغيرات الجارية في الشرق الاوسط عموما، وفي سوريا خصوصا، فالشعب الكوردي امام فرصة إما يكون او لا يكون. والاقرب هي فرصة التحرر واثبات الذات، تلك الفرصة التي تشترط على الشعب الكوردي تغيير نمط تعامله مع الآخر على اساس الند للند، والتدقيق في اختيارات قادته لقيادة دفة مصيرهم، المرهون في قادة يضعون مصلحة شعبهم فوق كل المصالح والاعتبارات، ويواكبون كل الفنون والعلوم السياسية، وما يتبعها من علوم تستطيع اقتناص الفرصة المصيرية لشعبهم، بعيدا عن مبررات “لا بديل عما يُخطط من الآخرين” سواء داخليا او اقليميا او دوليا.

وحال الشعب الكوردي يقول ان لا شيء بعد ما نحن فيه لنخسره، ولا حياة مع اليأس والاذعان، ولا حق يموت مادام وراءه مطالب متشبث بحقوقه المشروعة اسوة بكل الشعوب، ولا نصرة الا بوحدة الصف مع قيادات حكيمة مدعومة بمستشارين في كافة المجالات يعرفون دهاليز السياسة ومشتقاتها بادق التفاصيل.

وهنا ستكون الحرية والحقوق للشعب الكوردي في هذا المنعطف التاريخي والمصيري قاب قوسين او ادنى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…