رسائل لم تُسلَّم… وذاكرة لا تموت

بوتان زيباري

 

أنا لا أطلب دولة، لا عَلَمًا أرفعه على جبل، ولا نشيدًا يُجبر أطفالي على حفظه… أنا فقط أريد أن أقول: أنا كوردي. بلا أن يُرمى هذا الاعتراف في سجن، أو يُعلّق على مشنقة.

يقولون: العملية السياسية تسير… وأوجلان قال ما معناه: كفى للحلم بالدولة، فالمهم أن نكون أحرارًا في ذواتنا، معترَفًا بنا في أرضنا… لكن، قُل لي، بالله عليك: هل يمكن أن تُعرّف نفسك بكورديتك، في دستورٍ لا يعترف إلا بالتركي؟ في جغرافيا لا تعترف إلا بالعَلَم الأحمر، واللسان الواحد، والهوية المحفورة فوق صخور الإنكار؟

الدولة لم تتغيّر يا رفيقي. نفس التي قتلتنا في زاخو وعفرين و…، تمشي بثياب الديمقراطية في آمد. نفس اليد التي حرقت القرى، تكتب اليوم نصوص التفاوض، لكنها لا تزال تمسك السلاح بقبضتها الأخرى. فكيف نثق بسلامٍ يديره عقلٌ لا يرى في الكوردي إلا مشروعًا مؤجلًا للردع؟

الحزب، بكل ثقله وتاريخه، نزل من الجبل ليقول: ها نحن نحمل غصن الزيتون، لا البندقية. أوقف النار، مدّ اليد، تكلّم بلغة الدولة لا الثورة. لكن ماذا كان الرد؟ صمتٌ يُشبه الرصاص، وقوانين تُجرّم حتى اسمك إن لم يُكتَب بالتركية.

والزعيم، هذا الذي لا يزال جسده محبوسًا في جزيرة، قرأ العالم من زنزانته الصغيرة، وتخيّل خريطة جديدة للحرية، ليست مرسومة بالحدود، بل بالعلاقات. لكن الدولة لم تقرأ ما كتبه، بل قرأت فقط أن الحزب تراجع، فظنّت أنه استسلم. لم تفهم أن التراجع كان من أجل التحوّل، لا الخضوع.

ضاعت الفرصة، أو بالأحرى: ضيّعناها معًا. تأخّرنا في تحويل قوتنا العسكرية إلى شرعية سياسية. ولو فعلناها قبل أن تحتل الدولة التركية شمال روج آفا، لكُنّا اليوم نفاوض من موقعٍ أقوى، لا من موقعٍ يراهن على حسن نية من لا يعترف حتى باسمك.

يا أخي، ليس كل وقفٍ لإطلاق النار سلامًا، وليس كل مبادرة رغبة في الحل. الدولة تعرف كيف تصنع فخًّا من الكلمات. تبدأ بـ”عملية”، وتنتهي بمجزرة إعلامية، وأنت في المنتصف، تقف حائرًا: هل تُكمل في الحلم، أم تعود إلى الجبل؟

إنها ليست “فرصة تاريخية”، بل لحظة معلّقة بين حبلين: حبلُ الإنكار الرسمي، وحبلُ الصبر الشعبي. إن لم يُقطَع الأول، سيشنق الثاني… وما أكثر ما شُنق الكوردي في التاريخ، لا لأنه حمل السلاح، بل لأنه حمل اسمه.

السويد

11.07.2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…