أغاني التراب: حين تسافر الأمم في ليلها الطويل

بوتان زيباري

في ليل الأرض المدجج بالريح، وعلى أطراف خريطة أكلتها النار ونقشت عليها سكاكين الطامحين وشهوة الغزاة، تمد أمريكا خيوطها كالعنكبوت فوق سوريا المبتورة. قيل: رحلوا، فهتف النائمون في أسرتهم، ثم أفاقوا ليجدوا أن من رحل هو السراب، وأن الأقدام الثقيلة ما تزال تخط على التراب توقيعها الأبدي.

كانت البنادق تسكن تسعمائة كتف، فارتفعت إلى ألفين ومئتين حين دنت أشباح الحدود، ثم خفّ العدد وعاد الهيكل إلى حجمه، لا ضعفاً، بل كما تفعل الأفعى حين تخفف جلدها استعدادًا للانقضاض. قواعد قامت كالحصون، وانتدابات قُرئت على أوراق سرية، بأن يبقى في الميدان من يحرس الأسطورة: أن داعش، هذا الطيف المتمرد، سيظل مبرر الوجود، إلى أن تتعب الآلهة الأرضية من لعبتها الدامية.

ففي السدود وفي مرافئ الشرق الغافي، تترسخ خيام الجنود، بعيداً عن عيون النظام الذي صار كمن يحرس أطلال مملكة غاب ملوكها وبقيت قلاعها خاوية. لو تغيرت الوجوه، قيل، قد تُنصب خيام أخرى، لأن الأرض حين يرحل عنها أهلها تفتح قلبها لأول قادم يحمل سيفًا أو بوصلة.

وعلى الجانب الآخر من النهر، في الخفاء، يجتمع الكورد. يحملون على ظهورهم قرناً من الانكسار، وحفنة من أحلام غُزلت بين الجبال والشتات. هناك، على طاولة لا تزال ترتجف من ثقل الأمل، يحاولون رسم خريطة جديدة، خريطة لا تخون لون دمهم ولا تعب آبائهم.

ليس انفصالاً ولا قفزاً فوق التاريخ، بل محاولة لبعث الحلم بلغة أخرى: أقاليم تتنفس بلغتها، وقوميات تتشارك في الرغيف والمصير. كما رفرف علم كوردستان فوق جبال السليمانية ولم يسقط بغداد، قد ترفرف شمس جديدة فوق الشمال السوري، إن عرفت أن تحت الشمس يسكن عربٌ وكلدان وسريان، وكلهم أولاد التراب ذاته.

غير أن الرياح لا تهب كما يشتهي الزراع. شمال سوريا ليس مرآة صافية، بل فسيفساء من وجوه ولهجات ورايات. والكورد، إن أرادوا أن يكونوا بُناة فجر لا أسرى أطماع، عليهم أن يغزلوا كفن التفرقة بيد المصالحة، وأن يكتبوا على جدران المدن الممزقة قسماً: أن لا ديمقراطية لهم إلا بديمقراطية جيرانهم.

ثم، هناك وجع آخر يُدق على الأبواب: العرب الذين نسوا جيرانهم، الذين تركوا اللغة الكوردية تغترب على ألسنتهم، كما تغترب الأغاني الحزينة في سوقٍ لا يعرفها أحد. كم غريب أن يتعلم العربي لهجة السلاطين من مسلسلات الحب، ويعجز عن التقاط كلمة من لغة الكورد، جيرانه منذ ألف ربيع!

وقد بادر بعض الحكماء في الشمال، ففتحوا نوافذ الحوار، فأطلقوا “شمسًا” تخترق ظلمة الجهل وتُعانق قلوب العرب بخبر الكورد. يا ليت العرب يفهمون أن من لا يتعلم لغة جاره، يبقى أسير جهله حتى لو ملك الأرض بطولها.

وفي ركن آخر من المسرح المنكوب، يتكلم رجل اسمه أحمد الشرع، يتحدث باسم سوريا وكأنّ البلاد لا تزال تحت قدميه، فيما الواقع يصفعه بحقيقة أكثر قسوة: سوريا، كما يعرفها، صارت شظايا. من الفرات حتى الساحل، ومن الجنوب حتى الضفاف البعيدة، تفرقت الدماء، وتبعثرت البيارق.

يتكلم عن وحدة لا يملك مفاتيحها، وعن بناء لا يملك حجارته. وعد، فخانت الأرض وعده. أقسم، فخانته البنادق. وها هو اليوم، ظلٌّ يتحدث تحت شمس لم تعد له، كمن ينادي في وادٍ أجفلت فيه الدواب وهجره البشر.

ثم يأتي من يتكلم عن “بناء جيش”، كأن منبت الشر لم يكن في السلاح ذاته! من أي شجرة خرافية سيقطفون جيشاً نقياً، فيما جذوره مغروسة في أرض النصرة والرايات السوداء؟ كيف يسلم الغرب عتاده لجيش، قادته كانوا بالأمس طلاب مبايعة في مدارس الخراب؟

سوريا لا تحتاج بنادق جديدة، بل تحتاج قلباً لا يخون، وعيناً لا تغمض عن الألم، ولساناً لا يخون الكلمة. تحتاج دستورًا تُكتب سطوره بدم الضمير لا دم الفصائل.

وهكذا، بين وهم الانسحاب وأحلام الفيدراليات، بين الوعود العرجاء والمفاوضات العقيمة، تئنّ سوريا. على جسدها الممزق تتسابق الأيادي، وكل يدٍ تدّعي أنها المخلّص، وما يدري الحالمون أن الإنقاذ لا يأتي من الخارج، بل يولد من داخل الرماد.

وسلام، على أرضٍ تعلّمت أن تحيا رغم أنف الخرائط، وتغني للتراب الذي لا يخون.

السويد

26.04.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…