من قامشلو: وحدة الموقف الكردي طريقُنا إلى سوريا جديدة بلا تهميش

اكرم حسين 

ينعقد غداً في مدينة قامشلو (كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي في روجافي كردستان ) بمشاركة واسعة من الأحزاب السياسية الكردية، والشخصيات الوطنية والقومية، ومنظمات المجتمع المدني، والحركات النسوية والشبابية. حيث يأتي هذا الكونفراس في لحظة سياسية مفصلية من تاريخ سوريا والمنطقة ،  وتشهد البلاد تحولات عميقة بعد سقوط النظام الاسدي ، وتُكثّف الجهود المحلية والدولية لإنتاج نموذج جديد لسوريا ما بعد الحرب. لكن ما يميز هذا الكونفراس  ليس فقط حجم الحضور أو تنوع المشاركين ، بل مضمونه السياسي الذي يسعى إلى إنتاج رؤية كردية موحدة لمستقبل سوريا وحل القضية الكردية، وهي خطوة طال انتظارها، وكانت دوماً مطلباً أساسياً لدى الشارع الكردي في سوريا، ومحل دعم من القوى القومية في الأجزاء الأخرى من كردستان.

يحظى هذا الكونفراس  بدعم شعبي وقومي واسع، ويستند إلى مرجعيات سياسية وقومية وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني، الذي لطالما تبنى خيار التوافق الكردي الداخلي كمدخل لحل القضية الكردية في كل جزء، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، الذي أكدّ مراراً على أهمية وحدة الصف الكردي. كما يحظى  برعاية غير مُعلنة لكنها واضحة من قبل قوى التحالف الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، اللتين أدركتا أن الاستقرار في سوريا  يمر عبر حل حقيقي للقضية الكردية، وضمان مشاركة الكرد في مستقبل البلاد. ربما  تُوجه بعض الانتقادات للكونفراس بسبب سرعة انعقاده أو آليات تمثيله  – وقد تكون  محقة – من قِبل أطراف لم تتم دعوتها أو حضرت بتمثيل رمزي أو من  هم خارج الوطن ، وهذا مفهوم ومشروع في سياق السجالات السياسية. غير أن الأهم من كل ذلك هو مضمون الوثيقة التي سيتم التوافق عليها، وحجم الدعم الذي تتلقاه . فهي المرة الأولى التي يجتمع فيها الكرد في سوريا على رؤية واضحة، بعيدة عن الالتباس والمواقف الضبابية، وتستند إلى حق الشعب الكردي في الهوية، واللغة، والمشاركة السياسية المتساوية، في إطار دولة سورية ديمقراطية لامركزية تحفظ حقوق جميع مكوناتها. 

أن أهمية هذه الرؤية تتجلّى في انها تدعو إلى إنهاء  المظلومية التاريخية للكرد السوريين الذين عانوا لعقود من الإقصاء، والتجريد من الجنسية، والحرمان من الحقوق الثقافية والسياسية، وتُقدّم حلاً جذرياً لا ترقيعياً لهذه المظلومية. كما تُشرك الكرد كشُركاء حقيقيين في بناء سوريا الجديدة، من موقعهم كقومية أصيلة ومكون فاعل، وليس كطرف ملحق أو تابع، وهذا سيعيد التوازن الوطني، ويمنح النموذج السوري المستقبلي شرعية داخلية وخارجية أكبر، ويُعزّز فُرص الحل السياسي الشامل في سوريا، فالتوافق الكردي الداخلي هو ركن أساسي في أي تسوية مستدامة، ويمنع استغلال القضية الكردية  من قبل أطراف خارجية تسعى لإدامة تعثّر الدولة السورية . كما تُحقّق الرؤية التكامل بين المشروع الوطني والمشروع القومي، من خلال دمج القضية الكردية ضمن أُطر الحل السوري الشامل، وعدم اختزالها في مطالب محلية أو إدارية، بل التعامل معها كقضية شعب له خصوصيته وهويته ،  حيث يُثبت الكرد مرة أخرى أنهم دُعاة شراكة وسلام، لا انفصال أو خصام ، ويقدّمون للعالم نموذجاً سلمياً مختلفاً عن صراعات الإثنيات والطوائف المتفجرة في الإقليم والمنطقة  ، وبالتالي فإن نجاح هذا الكونفراس ، وإن لم يأتي  شاملاً من حيث التمثيل والمشاركة ، لكنه  سيكون كاملاً من حيث الرسالة والنتائج، وإذا ما تمّ تثبيت الرؤية السياسية المشتركة، والبناء عليها في الخطاب السياسي والدبلوماسي الكردي، فإننا نكون أمام لحظة تاريخية قد تفتح أفقاً جديداً ليس فقط لكرد سوريا، بل لسوريا بأكملها، على طريق الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية .

إن الوحدة الكردية في الموقف والرؤية السياسية هي عامل أساسي لبناء سوريا جديدة، فالتوافق الكردي الداخلي يُعدّ ركيزة أساسية لضمان مشاركة حقيقية وفعّالة في العملية السياسية السورية وان مؤتمر قامشلو هو بداية الطريق نحو مصالحة كردية – كردية أولاً، وسورية – كردية ثانياً، وتلك هي الخطوة التي طالما انتظرها السوريون لبناء وطن حر وشعب كريم.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…