الفيدرالية ليست تهمة وكوردستان ليست مؤامرة (½)

د. محمود عباس

 

نداء إلى جميع القوى الكوردية المجتمعة في المؤتمر الكوردي الوطني في قامشلو – 18 نيسان 2025

 

بصوتٍ لا لبس فيه، نطالب الحراك الكوردي في غربي كوردستان بعدم التنازل، تحت أي ظرف، عن مطلب النظام الفيدرالي اللامركزي، وتثبيته بوضوح في صلب الدستور السوري القادم.

فهذا المطلب لم يعد مجرد خيارٍ سياسي ضمن قائمة البدائل، بل تحوّل إلى صمّام أمان وجودي، يحفظ ما تبقى من تطلعات شعبٍ نُكّل به لأكثر من قرن، وسُلب منه حقه في الأرض، واللغة، والاعتراف.

إن التراجع عن هذا المبدأ لن يُعد خسارة لجميع المكتسبات التي حصلنا عليها بدماء الألاف من الشهداء، فحسب، بل مقدمة لنهاية لا تُحمد عقباها، تُعيد الكورد إلى المربّع الأول، إلى دائرة الصمت المفروض، والتبعية المجدّدة، والإنكار المقنن باسم وحدةٍ زائفة.

أما من يُسوّق لمبدأ “حق المواطنة” كبديل عن النظام الفيدرالي، كما تفعل الحكومة الانتقالية، فليُراجع المنطق أولًا:
أيُّ مواطنةٍ تُبنى في ظل “جمهورية عربية”؟

العناد لا يُواجه إلا بمزيد من العناد، لكن المرونة تُقابل بالدبلوماسية الحضارية، لا بالتنازل ولا بالإنكار.

نحن من نطالب بأن يكون الوطن للجميع، لا حكراً على قومية، ولا امتدادًا لهيمنةٍ لغوية أو دينية.

نحن الذين نحلم بسوريا جديدة، تتسع لكل مكوناتها، وننادي منذ البداية بـ “الجمهورية السورية”، لا العربية، لأنها وحدها التي تُعبّر عن واقع البلاد وتنوّعها.

فالفيدرالية، التي يُشيطنها البعض، ليست نقيضًا للوطن، بل هي الصيغة الأرقى لنظام عادل، في البعدين الديني والعلماني معًا، يوازن بين التنوّع والانتماء، ويحفظ الحقوق دون أن يُلغي الخصوصيات.

هي ليست بدعةً غربية، بل مبدأ متجذّر في النصوص السماوية كما هو في دساتير الدول المتقدمة؛ ففي جوهرها، تقوم على الاعتراف بالاختلاف لا نفيه، وعلى توزيع عادل للسلطة والثروة، لا احتكارها باسم

الأكثرية أو التاريخ أو القوة، نظام يضمن المساواة دون محو، والاندماج دون ذوبان، والحقوق دون فضلٍ من أحد.

أليس في الاسم ذاته إعادة إنتاج لمنطق “السيد والموالي”؟

هل يُعقل أن تُطالب الأقليات بتذويب هويتها، بينما تُكرَّس هوية واحدة في النصّ، والراية، والمسمّى؟

الاعتراف النظري بالمساواة لا يكفي، ما لم يُترجم إلى بنى دستورية عادلة تضمن التعدد القومي، وتُعترف بالكورد كشعب أصيل، لا كأقلية طارئة.

بدون نظام فيدرالي حقيقي، يكفل للكورد إدارتهم الذاتية وحقهم القومي، سيظل الحديث عن المواطنة مجرد واجهة مُخادعة.

تبدأ بالوعود، وتتطور إلى التهميش، وتنتهي بإعادة فرض الصمت على الكوردي، كما فُرض عليه لعقود.

وإن خسرنا ما نملكه اليوم، لعلنا لن نُمنح فرصة استعادته مجددًا، أمام هذا السعار العنصري المتصاعد من أيتام البعث والتكفيريين، الذين ورثوا عن أسلافهم لغة الكراهية، واتخذوا من الهجوم على الكورد قاسمًا مشتركًا بين أطيافهم.

لقد بدأت تظهر، من بينهم، شرائح تُشكّك في كل شيء: في تاريخنا، وفي ديمغرافيتنا، وفي لغتنا، وحتى في حقنا في الوجود كشعب.

لذا فإن التراجع عن مشروع الفيدرالية، اليوم، ليس ترفًا سياسيًا، بل مقامرة بمصير شعب، وبمستقبل قضيةٍ لم يعد أمامها خيار سوى أن تُثبت نفسها، أو تُمحى.

فكل القوى الدولية والإقليمية المتحالفة مع الكورد اليوم، سواء صرّحت بذلك علنًا أو دعمته ضمنًا، تعترف بأن لا حل في سوريا إلا من خلال دولة فيدرالية ديمقراطية.

ولذلك، فإننا نهيب بجميع الأحزاب والقوى المشاركة في المؤتمر أو الكونفرانس الكوردي الوطني، المتوقع انعقاده في قامشلو بتاريخ 18/4/2025، أن تجعل من شعارها، ومن هدفها الأول، ترسيخ النظام الفيدرالي اللامركزي، لا بوصفه مجرّد تكتيك سياسي، بل باعتباره قناعة استراتيجية تعبّر عن طموحنا المشروع، وعن سعينا إلى عدالة سياسية حقيقية داخل سوريا كوطن للجميع، وفي قلبها جزء لا يتجزأ من كوردستان.

في كل مرة يُطرح فيها مطلب الفيدرالية أو النظام اللامركزي، تنهال الاتهامات، أنتم تريدون الانفصال، أنتم تعملون على تقطيع أوصال الأوطان، أنتم تغذّون التقسيم تحت لافتات الحداثة والمساواة.

 

يتبع…

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

14/4/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….