جيل الشباب الكردي المهاجر يواصل الذاكرة ويستعيد الحضور

إبراهيم اليوسف

 

كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم العادات، ثم الإحساس الخفي بالانتماء، وهكذا يصحو المرء يوماً فلا يجد ما يدلّه على اسمه سوى وثيقة رسمية باردة.

كبر أطفالنا- هنا- وهم لا يملكون مشهداً واحداً من قريتهم أو حارتهم. أحدهم وصل رضيعاً، آخر جاء في الثالثة، ثالث لم يرَ البلاد قط إلا عبر روايات الأهل. ظننتُ أن هذه المسافة ستخلق فجوةً صامتة، وأن الدعوات إلى لقاءات ثقافية أو ندوات تعريفية لن تجد آذاناً صاغية. حاولتُ مراراً جمعهم حول طاولة حوار، فكان الحضور جد قليل، وجوه مترددة، مجاملات عابرة، كأن الأمر واجب اجتماعي لا أكثر. شعرتُ آنذاك أن الهوّة تتسع، وأن النداء لا يبلغ ما أريده له!

غير أن الوقائع الأخيرة قلبت الحسابات رأساً على عقب، إذ إن الحرب التي استهدفت الكرد أيقظت في دواخلهم طاقة هائلة لم أكن أتوقعها. فجأةً، صار الشاب الكردي الذي طالما كنا نريده أن يحضر نشاطاً ثقافياً، أو حتى اجتماعياً، أول الواصلين إلى الوقفة التضامنية. الشابة التي كانت تلوذ بالصمت صارت تحمل علماً أكبر من قامتها. الأخبار المؤلمة لم تمرّ عليهم مرور العابر، بل هزّت أعماقهم هزّاً. هكذا انقلبت المعادلة، فبدلاً من برود متوقَّع نشأت حرارة اندفاعية لا تحتاج إلى حثٍّ أو توجيه.

إذ تصلهم المقاطع الدامية عبر الشاشات، تراهم يتابعون التفاصيل بالألمانية تارةً وبالكردية تارةً وبالعربية تارةً أخرى. حزنهم واضح، غضبهم صريح، أسئلتهم مباشرة. لم يعد الأمر حكاية يرويها الأب أو الأم، إنما صار قضية تخصّهم شخصياً. من هنا أخذوا زمام المبادرة، يخبر أحدهم أصدقاءه الألمان، يدعو زملاءه من جنسيات شتّى، يشرح لهم ما يحدث بلغة البلد الذي يعيشون فيه. وهكذا خرجت القضية من إطار العائلة إلى المجال العام.

حضورهم في الفعاليات لافت. يصلون باكراً، يجهزون اللافتات، يرتبون الشعارات، يتناقشون حول العبارات الأنسب. نشاط منظم، سلوك منضبط، احترام للقوانين المحلية، إصرار على أن يكون الصوت حضارياً لا فوضوياً. رأيتُ في تصرفاتهم وعياً ناضجاً لا يشبه عفويتنا القديمة. جيلنا تعلم تحت ضغط الخوف والملاحقة، إذ تشكل وعيه وسط صراع البيت مع مدرسة كانت تحاول محو الاسم. أما هؤلاء فقد كبروا في فضاء مفتوح نسبياً، فتكوّن إدراكهم بثقة أعلى وخطاب أوضح.

لكم كنا نتلعثم وهم يصرّحون، إذ كنا نهمس وهم يرفعون الصوت، حيث كنا نخشى التجمع وهم ينظمون صفوفهم بلا تردد. هذا الفرق لا يسوغ الاستخفاف به. خبرتهم مزدوجة. لغة الأم حاضرة في البيت، ولغة المجتمع الجديد حاضرة في الشارع، لذلك استطاعوا مخاطبة الداخل والخارج في آنٍ واحد. طالما إن هناك قوة مزدوجة تمنحهم قدرة على الشرح والإقناع، لا على الشكوى فحسب.

 

وهكذا فقد تحققت مفارقة عجيبة. ظننا أن البعد سيضعف الصلة، فإذا بالبعد يشدّها أكثر. ظننا أن الغربة ستذيب الهوية، فإذا بها تصقلها. كأن التهديد الخارجي أيقظ فيهم إحساساً دفيناً بالمسؤولية، فلم ينتظروا وصاية أحد، إنما تحركوا بدافع ذاتي. فلطالما يخبر الشاب أباه بموعد الوقفة، لا العكس. تشرح الفتاة لأمها خلفيات حدث سياسي، لا تنتظر شرحاً. حيث ثمة انقلاب أدوار يبعث على الدهشة، إذ صار الأبناء يقودون الخطوة.

من هنا، يتضح أن الرهان الحقيقي لم يكن على استعادة الماضي حرفياً، إنما على صناعة علاقة جديدة مع الجذور. هؤلاء لم يعيشوا القرى والجبال كما عشناها، إنما صنعوا لها صورة ذهنية خاصة. صورة مشحونة بالإرادة لا بالحنين وحده. ارتباطهم ليس بكاءً على أطلال، بل عملاً يومياً، مشاركةً، تنظيماً، ضغطاً مدنياً. من هنا يكتسب فعلهم قيمة عملية لا خطابية.

يبقى أن الطريق لا يخلو من أصوات متحجرة تصرّ على التقوقع داخل خنادق ضيقة. تلك الأصوات تحاول جرّ الشباب إلى خلافات قديمة لا طائل منها. غير أن أثرها محدود، إذ إن الجيل الجديد لا يملك ترف الانقسام، لأنه يدرك أن المعركة أخلاقية قبل أن تكون شعاراتية، وأن وحدة الصف ضرورة لا زينة. لذلك يتجاوز الاستفزاز، يركّز على المشترك، يواصل العمل بصبر.

أراقبهم فأشعر أن خوفي القديم كان مبالغاً فيه. القلق الذي رافقني سنوات تبدد تدريجاً. أمامي جيل يمسك بلغته بإصرار، يتحدث عن بلاده بثقة، يترجم ألمه إلى فعل منظّم. هذا المكسب لا يُقاس بعدد الحاضرين في قاعة ندوة، إنما يُقاس بعدد القلوب التي قررت أن تقول “نحن هنا”. هكذا كسبنا رهاناً صعباً، رهان الامتداد، إذ إن السلسلة لم تنقطع، بل ازدادت متانةً.

لكم هو مبهج أن جيل المهاجر لم ينسَ الاسم، بل أعاده إلى الشارع، إلى الساحة، إلى لافتة مرفوعة تحت مطر أوروبي بارد. صورة بسيطة، لكنها تختصر الحكاية كلّها. جيل الشباب الكردي المهاجر الذي يشكل اليوم قوة وعيٍ فعلية لا امتداداً عاطفياً فحسب، إذ يتعامل مع الهوية باعتبارها مسؤولية يومية تُمارَس في الشارع، والمدرسة، والجامعة، ومواقع العمل، لا أطلال سردية غير مُهتم بها قد تكرر في المناسبات، لأن خبرتهم المزدوجة في اللغة والثقافة منحتهم قدرة على الشرح، والتأثير، والتنظيم، بما يفوق ما امتلكته أجيال سابقة عاشت تحت وطأة الخوف والملاحقة، لذلك فهم يتحركون بثقة أعلى وخطاب أوضح وحضور مدني منضبط، لاسيما إن حماسهم لا ينبع من حنينٍ مجرد، إنما من فهم إنساني وفكري وأخلاقي يجعلهم أسرع استجابة، وأكثر التزاماً، وأشد صلابة، في الدفاع عن قضيتهم.  وها هي مشاهدهم اليومية تنم عن أن السلسلة لم تضعف في محطة الهجرة، بل ازدادت متانةً، وأن الذاكرة لم ولن تتآكل، بل انتقلت إلى أيدٍ أكثر وعياً، وطاقة، وجرأةً وقدرةً، وإمكانية على التواصل مع الآخر، وتحويل الشعور إلى فعل منظم، بعد أن عمل جيل آبائهم وأجدادهم ما كان في وسعهم أن يقوموا به، تحت وطأة ظروف قاسية، وتحديات كبرى.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…