عزالدين ملا
في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر ذكرى ميلاده كل عام بوصفها مناسبة للتعبير عن الوفاء والاعتزاز، وفي الوقت نفسه للتأمل في مسيرة سياسية تركت بصمتها في تاريخ كوردستان الحديث.
بالنسبة إلى الكرد والكوردستانيين، لا تنحصر دلالة هذه الذكرى في شخص الرئيس مسعود بارزاني، وإنما تمتد إلى ما يمثله اسمه من رمزية سياسية وقومية. فهي تستحضر في الذاكرة أسماء الشهداء والبيشمركة، ومراحل النزوح والمآسي التي عاشها الكورد، وكذلك محطات الصمود التي حافظ خلالها الشعب الكوردي على هويته ووجوده رغم الظروف القاسية. ومن هنا يصبح الاحتفاء بذكرى الميلاد تعبيراً عن ارتباط وجداني بمسيرة يرون فيها امتداداً لتاريخ البارزانيين والحركة القومية الكوردستانية.
لقد نشأ مسعود بارزاني في بيئة سياسية ونضالية كان فيها الدفاع عن القضية الكوردية جزءاً من الحياة اليومية. ومنذ سنوات شبابه، ارتبط بالبيشمركة والحركة التحررية، وشهد مراحل مختلفة من الصراع السياسي والعسكري بين الحركة الكوردية والسلطات العراقية. هذه التجربة المبكرة أسهمت في تشكيل شخصيته السياسية، وجعلت من مسألة الحقوق القومية للكورد محوراً ثابتاً في رؤيته ومواقفه. ومع مرور السنوات، لم يبق حضوره محصوراً في الميدان العسكري، بل انتقل تدريجياً إلى المجال السياسي والتفاوضي، حيث أصبح أحد أبرز الوجوه التي مثلت الحركة الكوردستانية في المراحل الأكثر حساسية من تاريخ العراق والمنطقة.
وتكمن أهمية هذه المسيرة في أنها تزامنت مع تحولات كبيرة في القضية الكوردية. فبعد عقود من المواجهة، جاءت انتفاضة عام 1991 لتفتح مرحلة جديدة في كوردستان العراق، ثم جاءت التحولات التي أعقبت سقوط النظام العراقي عام 2003 لتمنح القضية الكوردية إطاراً دستورياً جديداً داخل الدولة العراقية. وفي هذه المرحلة، كان مسعود بارزاني من أبرز الشخصيات التي شاركت في تثبيت موقع كوردستان السياسي، والدفاع عن الفدرالية والحقوق الدستورية وإدارة العلاقات مع بغداد والقوى الإقليمية والدولية.
ولذلك، عندما يستعيد الكورد اليوم مسيرته، فإنهم لا يستذكرون قائداً من زمن واحد، بل يستحضرون شخصية عاصرت مراحل متباينة من تاريخهم، مرحلة الثورة ومرحلة الحرب ومرحلة الإدارة ومرحلة بناء المؤسسات ومرحلة الانفتاح الدولي ثم مرحلة مواجهة تنظيم داعش وما رافقها من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة.
ومن أبرز ما جعل اسم مسعود بارزاني حاضراً في الذاكرة الكوردستانية ارتباطه بمفهوم الصمود. فالصمود في الحالة الكوردية ليس مجرد شعار سياسي، بل تجربة تاريخية عاشها المجتمع عبر عقود من الحروب والتهجير والقمع ومحاولات إنكار الهوية. ولهذا يرى الكرد أن بارزاني جسّد في مسيرته فكرة الاستمرار وعدم التخلي عن الحقوق، حتى في أصعب الظروف وأنه حافظ على حضور القضية الكوردية في المحافل السياسية والعلاقات الإقليمية والدولية.
كما يرتبط اسمه بفكرة الدفاع عن الهوية القومية. فالقضية الكوردية في جوهرها، ليست قضية حدود أو سلطة فحسب وإنما قضية شعب يريد أن يحافظ على لغته وثقافته وخصوصيته وحقه في تقرير مستقبله السياسي. ومن هذا المنطلق، ينظر الكرد إلى مسعود بارزاني باعتباره أحد الرموز التي حافظت على حضور هذه القضية في الوعي السياسي وحاولت الانتقال بها من حالة المواجهة الدائمة إلى حالة الفعل السياسي المنظم.
ومن القيم التي تحضر بقوة عند الحديث عن مسيرته أيضاً الوفاء للتضحيات. فالذاكرة الكوردية تنظر إلى البيشمركة والشهداء باعتبارهم جزءاً أساسياً من تاريخ القضية، ولذلك ارتبطت شرعية القيادة السياسية، في الوعي الشعبي، بمدى قدرتها على الحفاظ على إرث أولئك الذين دفعوا حياتهم ثمناً للحقوق والحريات. ومن هنا يأتي التأكيد المتكرر على ضرورة ألا تضيع تضحيات الأجيال السابقة وسط الحسابات السياسية اليومية.
وفي المقابل، فإن مسيرة مسعود بارزاني لا تخلو من المحطات التي أثارت نقاشاً سياسياً واسعاً، وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى شخصية لعبت دوراً مؤثراً على مدى عقود. ولعل الاستفتاء على استقلال إقليم كوردستان عام 2017 كان أكثر هذه المحطات وضوحاً. فقد شكل الاستفتاء تعبيراً عن رغبة شعبية واسعة في تقرير المصير، لكنه واجه رفضاً شديداً من بغداد ودول إقليمية وأفضى إلى تطورات سياسية وميدانية صعبة بالنسبة إلى الإقليم. وقد تركت تلك المرحلة دروساً مهمة حول العلاقة بين الإرادة الشعبية وبين موازين القوى الإقليمية والدولية، وحول أهمية امتلاك الظروف السياسية الملائمة لأي مشروع استراتيجي.
ومع ذلك، فإن قيمة التجربة السياسية لا تكمن فقط في المحطات التي انتهت بالنجاح، وإنما أيضاً في الدروس التي تنتجها المحطات الصعبة. وهنا يمكن النظر إلى تجربة بارزاني باعتبارها جزءاً من تجربة سياسية كوردستانية أكبر، أثبتت أن القضية لا يمكن أن تُدار فقط من خلال ردود الفعل، بل تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى وإلى مؤسسات قوية وإلى وحدة داخلية وإلى شبكة علاقات إقليمية ودولية متوازنة.
ومن أهم المسائل التي تزداد أهميتها اليوم مسألة وحدة الصف الكوردي. فالتجربة التاريخية أثبتت أن الانقسام الداخلي كان في كثير من الأحيان أحد أكبر مصادر الضعف أمام الخصوم. ولذلك فإن الدعوة إلى توحيد الموقف الكوردي لا تعني بالضرورة إلغاء التعددية الحزبية أو السياسية، بل تعني إيجاد حد أدنى من التوافق حول القضايا المصيرية، بحيث تستطيع القوى الكوردستانية أن تختلف في التفاصيل والبرامج، لكنها تتفق عندما يتعلق الأمر بالحقوق القومية والدستورية والمصالح العليا لشعب كوردستان.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الرئيس مسعود بارزاني لدى الكرد والكوردستانيين باعتباره شخصية قادرة على لعب دور في تقريب وجهات النظر والحفاظ على التواصل بين الأطراف، مستفيداً من موقعه التاريخي ومن شبكة علاقاته السياسية. فالتحديات التي تواجه كوردستان اليوم لا تسمح بتبديد الطاقة السياسية في صراعات داخلية، خصوصاً أن الإقليم يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح دول عديدة وأن أي خلل في التوازن الداخلي يمكن أن ينعكس سريعاً على موقعه السياسي والأمني والاقتصادي.
كما أن ثقافة الحوار والسلام أصبحت أكثر أهمية في المرحلة الراهنة. فالتجربة الكوردية، رغم تاريخها الطويل مع المواجهة المسلحة، أثبتت أن تحقيق المكاسب المستدامة يحتاج في النهاية إلى حلول سياسية ودستورية ودبلوماسية. ومن هنا فإن الحفاظ على قوة الموقف الكوردي لا يتعارض مع اعتماد الحوار، بل إن الحوار يصبح أكثر فاعلية عندما يستند إلى وحدة داخلية ومؤسسات قوية وموقف سياسي واضح.
إن التحدي الحقيقي أمام كوردستان اليوم يتمثل في كيفية الانتقال من مرحلة الدفاع عن الحقوق إلى مرحلة ترسيخ المكتسبات وبناء المستقبل. وهذا يتطلب اقتصاداً متنوعاً ومؤسسات أكثر فاعلية وحكماً رشيداً وتعزيزاً للديمقراطية وحماية للتعددية وعلاقات متوازنة مع بغداد ودول الجوار، إلى جانب الاستثمار في جيل جديد يمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على التعامل مع التحولات الدولية.
ومن هذه الزاوية، فإن الإرث السياسي لمسعود بارزاني لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره إرثاً لشخص أو حزب، وإنما بوصفه جزءاً من تجربة تاريخية أوسع. فالقادة يرحلون، لكن الأفكار والتجارب والدروس تبقى. والقضية الكوردية، إذا أرادت الاستمرار بقوة، تحتاج إلى تحويل تجارب الماضي إلى مؤسسات وسياسات قادرة على الاستمرار وإلى جعل الانتماء الوطني والقومي عامل توحيد لا سبباً للصراع الداخلي.
في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، لا تقتصر الأمنيات على طول العمر والصحة، بل تمتد إلى مستقبل القضية التي ارتبط بها اسمه. يتمنى الكرد كوردستان أكثر قوة ووحدة واستقراراً وأكثر قدرة على حماية مصالحها وأكثر انفتاحاً على الحوار والسلام وأقدر على تحويل تضحيات الماضي إلى فرص حقيقية للأجيال القادمة.
ولعل أعمق تعبير عن الوفاء في هذه المناسبة هو أن يتحول حب القائد إلى التزام بالمبادئ التي يعتقد الكرد أنه حملها طوال مسيرته، التمسك بالهوية واحترام التضحيات والدفاع عن الحقوق وتغليب الحوار والحفاظ على وحدة الصف والإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل مهما كانت صعوبة الحاضر.
فذكرى ميلاد مسعود بارزاني في الوعي الكوردستاني، ليست مجرد استعادة لتاريخ رجل، وإنما استعادة لذاكرة شعب بأكمله. وهي مناسبة للقول إن القضية التي حملها جيل الآباء والأجداد تحتاج اليوم إلى جيل جديد يحميها بالعلم والسياسة والمؤسسات والدبلوماسية والتنمية ويثبت أن أفضل وفاء للتضحيات ليس فقط تخليد أصحابها، بل بناء مستقبل أكثر أمناً وعدلاً وكرامة لشعب كوردستان.