النصرعبر السلام – الطريق الوحيد لإنقاذ سوريا

سلمان حسين -هولندا

في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد الواحد حتى ولو كان ذالك بين مختلف الأنتمأت الأيدلوجية والعرقية, بل بقدرة الشعوب على استعادة حياتها، وبناء مستقبلٍ آمن وعادل لأجيالها القادمة.

لقد أثبت التاريخ أن السلاح قادرعلى إنهاء معركة، لكنه نادرًا ما يُنهي صراعًا. فالجذور الحقيقية للنزاعات غالبًا ما تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ولا يمكن اقتلاعها إلا عبر الفهم العميق والمعالجة الجادة للأسباب، لاعبر الاكتفاء بمظاهر العنف, ومن هنا تبرز أهمية الحوار الصادق القائم على الاحترام المتبادل بوصفه الجسرالذي يحوّل الخصومة إلى صداقة، والعداء إلى تفاهم وشراكة.

ولا يمكن للسلام أن يكون مستدامًا دون عدالة. فالعدل هو عموده الفقري وروحه الحقيقية حين تشعر الشعوب بأن حقوقها مصانة وكرامتها محفوظة، يتراجع الغضب وتضعف دوافع الانتقام. والعدالة لا تعني الثأر، بل تعني الاعتراف بالجرائم، والمحاسبة المنصفة، وجبر الضرر، وبناء نظام يضمن المساواة ويمنع تكرار المآسي مستقبلا.

وتجربة الصراع في سوريا تقدّم مثالًا صارخًا على فشل السلام المبطن. فرغم توقيع اتفاقية 10 آذار بين الرئيس السوري المؤقت وقائد قسد الجنرال مظلوم عبدي ، لم تظهر بوادر حسن نية حقيقية. فقد استُخدمت الاتفاقيات كأدوات للمناورة السياسية، لا كبوابات للحل. الحكومة المؤقتة واصلت سياساتها بعقلية حكومة إدلب ، وسعت لإضعاف قوات سوريا الديمقراطية عبر التحريض والانقسامات، بدعم مادي واعلامي من قطر والسعودية ودعم لوجستي من عدو الكرد التقليدي تركيا، رافقه خطاب شيطنة وأتهام الكرد وقسد بالملاحدة والأنفصاليين والأرهاب وتشويه ممنهج لكسر القاعدة الشعبية لقسد خاصة في المناطق العربية في محافظتي ديرالزور والرقة. وحتى القرارات الإصلاحية كالمرسوم 13 الذي أصدره الشرع لألغاء الإحصاء الجائر لعام 1962 والاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية, جاءت بصيغة المكرمة السياسية لا الشراكة الوطنية وبادرة حسن نية أم مدخل لحل النزاع.

في المقابل، لم تكن قوات سوريا الديمقراطية بمنأى عن الأخطاء، إذ فشلت في فك ارتباطاتها الإيديولوجية المتشددة مع حزب العمال الكردستاني وتبني شعارات عدمية منبسقة من مخيلة رئيس الحزب عبدالله أوجلان كشعار أخوة الشعوب وفلسفة الأمة الديقراطية، وسعيها الدائم إلى فرض رؤى فكرية لا تنسجم مع طبيعة المجتمعات المحلية والعشائرية لا في المناطق الكردية ولا العربية، واعتمدت بشكل مفرط على الدعم الدولي المكتسب من محاربة داعش، على حساب بناء قاعدة شعبية متماسكة، خصوصًا في المناطق الكردية التي كانت بمثابة حاضنتها الأولى.

فعندما يسود السلام تتحوّل موارد الدولة من آلة حرب إلى مشروع حياة ,مدارس بدل الثكنات العسكرية، مستشفيات بدل المقابر الجماعية، وفرص عمل بدل مخيمات النزوح واللجوء.

وفي ذالك السياق سيطرت قسد على مساحات جغرافية واسعة، لكنها فشلت في كسب الحاضنة الشعبية في كثير من تلك المناطق، كما أن االحكومة السورية المؤقتة استعادت مناطق واسعة في السويداء والساحل، وحاليا في مناطق الجزيرة، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في تحقيق الأهم وهو كسب ثقة المواطنين وضمان ولائهم لدولة عادلة تحمي الجميع دون تمييز.

كما يفتح السلام أبواب الازدهار، ويعيد عجلة الاقتصاد إلى الدوران، ويمنح الإنسان فرصة للإبداع والعمل والإنتاج والأهم من ذلك، أنه يرمم النسيج الاجتماعي الممزق، ويعيد بناء العلاقات التي دمرتها سنوات العنف، ليصبح المجتمع السوري بكل مكوناته أكثر تماسكا ومساحة تعاون لا ساحة صراع.

في المحصلة، النصر عبر السلام ليس ضعفًا ولا استسلامًا، بل هوأسمى أشكال القوة, قوة العقل فوق السلاح، وقوة العدالة فوق الظلم، وقوة الحياة فوق الموت. إنه نصر لا يصنع مهزومين، بل يخلق شركاء في الوطن الواحد، ويمنح سوريا فرصة حقيقية لتنهض من رماد الحرب نحو وطن يتسع لجميع أبنائه ففي صراع أبناء البلد الواحد لاغالب ولامغلوب .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين طبيعة الصراع الكردي – الكردي ومسألة الاختلاف بالرأي المجتمع الكردي السوري مثل أي مجتمع في العالم يضم طبقات اجتماعية ، وفئات ، ومدن ، وارياف ، وداخل ، وخارج ويتعايش الجميع مع وجود تضارب بالمصالح ولكن ليس الى درجة التضاد او الصراع التناحري ، واقعه هذا يعكس على الصعيد السياسي تباينات في الرؤا والمواقف ، حول مختلف القضايا…

ماهين شيخاني   المصيبة ليست في أن يخسر شخصٌ في انتخابات مؤتمر… فهذه سنة العمل الديمقراطي، يوم لك ويوم عليك. المصيبة الحقيقية تبدأ حين تتحول الخسارة إلى مشروع تكتل، وتصبح النتائج الشرعية ذريعة لإشعال الفوضى. فجأة، وبعد إعلان النتائج، نرى من التفّ حوله؟ أشخاص تحيط بهم عشرات علامات الاستفهام تنظيمياً. من لم يلتزموا باجتماعاتهم الدورية. من غابوا عن ساحات العمل…

يونس حمد – أوسلو   خلال الحرب الهمجية التي اندلعت عام 2014 بين تنظيم داعش ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها، كان المسلمون السنة، من اليمن إلى سوريا، الضحايا الرئيسيين. في الشرق، تضرر العرب السنة في العراق، وخاصة في المناطق الغربية، بشدة من الهجمات، وسقطت مناطقهم تحت سيطرة التنظيم المسلح المعروف باسم داعش. نزح بعض العرب في هذه المناطق من ديارهم، وباتوا…

عاصم أمين تُعدّ الديمقراطية إحدى أكثر المفاهيم السياسية إثارةً للجدل في التاريخ الإنساني، فهي ليست مجرد آلية لانتخاب الحكام، بل رؤية فلسفية للإنسان والمجتمع والسلطة. نشأت فكرتها الأولى في أثينا اليونانية القديمة، حيث ارتبطت بفكرة مشاركة المواطنين الأحرار في اتخاذ القرار، لكنها تطورت عبر القرون لتصبح نظاماً معقداً يقوم على التعددية وادارة الاختلاف، وسيادة القانون، وحماية الحقوق الفردية. في مقابلها…