الكورد والجغرافيا السياسية: لعبة الشطرنج بين أنقرة وطهران

بوتان زيباري
في عالم السياسة، حيث تتقاطع المصالح وتتنازع الأيديولوجيات، تظل القضية الكوردية واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للجدل. ففي قلب الشرق الأوسط، حيث تلتقي الحدود وتتشابك الأزمات، تبرز قضية المقاتلين الكورد كحلقة وصل بين قوتين إقليميتين: تركيا وإيران. هذه القضية، التي لا تزال تشكل مصدر قلق لأنقرة، دفعت الأخيرة إلى مد جسور الحوار مع طهران، رغم ما بينهما من خلافات عميقة في الرؤى والاستراتيجيات.
في هذا السياق، أرسلت أنقرة رئيس استخباراتها، إبراهيم كالن، إلى طهران في محاولة لفهم الموقف الإيراني الغامض تجاه حزب العمال الكوردستاني، الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية. وعلى الرغم من أن طهران وأنقرة تقفان على طرفي نقيض في ما يتعلق بمستقبل سوريا، إلا أن القضية الكوردية دفعت البلدين إلى تنسيق أمني قد يشكل نقطة تحول في علاقاتهما المتوترة. ولكن، هل يمكن لإيران أن تكون الشريك الذي تبحث عنه تركيا لحل هذه المعضلة؟ وهل يمكن لأنقرة أن تقدم لطهران ما يكفي لإقناعها بوقف دعمها للمسلحين الأكراد؟
في عالم الدبلوماسية، حيث الكلمات تحمل أوزانًا ثقيلة، تظهر تركيا كفاعل رئيسي يسعى إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة. فمع بداية العام الجديد، شهدت الدبلوماسية التركية زخمًا غير مسبوق، حيث قام وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو بجولات مكوكية في الخليج والعراق، بينما توجه إبراهيم كالن إلى دمشق وطهران. هذه الزيارات، التي تأتي في ظل الانسحاب الأمريكي المتوقع من سوريا، تعكس رغبة تركيا في سد الفراغ الأمني الذي قد يتركه هذا الانسحاب، خاصة فيما يتعلق بملف داعش وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
لكن الموقف الإيراني يظل غامضًا. فمن ناحية، تدعي طهران أنها تحارب حزب العمال الكوردستاني، ولكن من ناحية أخرى، تظهر تقارير إعلامية أن الحرس الثوري الإيراني قد دعم هذا الحزب في بعض الأحيان. هذا التناقض يضع تركيا في موقف صعب، حيث تسعى إلى فهم النوايا الإيرانية الحقيقية. فهل يمكن أن تكون إيران شريكًا موثوقًا به في هذه المعركة؟ أم أنها تلعب لعبة مزدوجة لتحقيق مصالحها الخاصة؟
في عالم التحالفات، حيث المصالح تتجاوز الأيديولوجيات، تبرز تركيا نفسها كجسر بين الشرق والغرب. فبعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، تسعى إيران وروسيا إلى تعزيز نفوذهما في سوريا الجديدة، وهنا يأتي دور تركيا كوسيط محتمل. فإيران، التي تواجه عداءً من الإدارة الأمريكية الجديدة، تحتاج إلى تركيا لتخفيف حدة التصعيد مع واشنطن. فتركيا، بوصفها عضوًا في حلف الناتو، يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تخفيف التوتر بين طهران وواشنطن.
ولكن، هل يمكن أن تقدم تركيا ما يكفي لإرضاء إيران؟ في ظل العلاقات المتوترة بين البلدين بعد سقوط نظام الأسد، يبدو أن الثقة بين أنقرة وطهران قد اهتزت. ومع ذلك، فإن إيران لا تملك بديلًا عن تركيا في التواصل مع الغرب، خاصة في ما يتعلق بالملف النووي والدور الإيراني في سوريا. لذلك، فإن التعاون بين البلدين يظل خيارًا استراتيجيًا، رغم كل الخلافات.
في عالم الصراعات، حيث الأعداء يصبحون أحيانًا حلفاء، تظل قضية المقاتلين الكورد عقبة مُعقدٌة أمام تركيا. فحتى لو توصلت أنقرة إلى تفاهم مع طهران، تبقى هناك أطراف أخرى تدعم حزب العمال الكوردستاني، مما يجعل الملف أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، تسعى تركيا إلى توحيد الصفوف الإقليمية لمواجهة هذا التحدي. فقبل أشهر، استقبلت أنقرة وفدًا سويديًا وأقنعته بعدم دعم حزب العمال الكوردستاني، كما جرت محادثات مع الألمان حول هذا الموضوع.
وفي الوقت نفسه، تظهر بوادر إيجابية من جانب عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكوردستاني، الذي أعلن عن نيته حل الحزب. ولكن، هل يمكن لأوجلان، الذي يقبع خلف القضبان منذ سنوات، أن يفرض إرادته على كل فصائل الحزب المنتشرة في تركيا وسوريا والعراق؟ وهل يمكن أن تكون هذه الخطوة بداية لنهاية الصراع الطويل بين أنقرة والمقاتلين الكورد؟
في الختام، تبقى القضية الكوردية أشبه بلغزٍ معقدٍ في رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، حيث تتقاطع المصالح وتتباين السياسات، فتنسج خيوطًا من التحالفات المتحولة والخصومات المتأرجحة. تركيا، بين القوة والدبلوماسية، تبحث عن سبيلٍ يجمع بين الهيمنة والتسوية، وإيران، بتقلباتها ودهائها السياسي، تمضي في مسارٍ ضبابيٍّ لا تُقرأ نهاياته بوضوح. وفي هذا المسرح الذي تحركه المصالح قبل المبادئ، تظل القضية الكوردية المفصل الذي قد يوصل بين أنقرة وطهران أو يزيد الفجوة بينهما اتساعًا.
إن السياسة، كالنهر، لا يسير بمجرى واحد، بل يتلوّى مع تضاريس الأرض، يتسع حينًا وينحسر حينًا آخر، لكنه لا يتوقف عن الجريان. فما كان خصومة اليوم قد يغدو تحالف الغد، وما ظُنَّ أنه ثباتٌ سرعان ما تذروه رياح التغيير. وفي خضم هذه التقلبات، تظل القضية الكوردية شاهدة على أن الجغرافيا السياسية لا تعرف الثبات، بل تخضع لقوانين المد والجزر. غير أن بصيص الأمل لا يغيب، فإن أدركت القوى الفاعلة أن لا أمن ولا استقرار يُرجى إلا بعدلٍ يُؤسس لحلٍّ شامل عادل للقضية الكوردية، حينها فقط، قد تنجلي العتمة عن أفقٍ جديد، يتنفس فيه الشرق سلامًا لم يره منذ أمد بعيد.
السويد
11.02.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….